مدينة الألف مئذنة: قرافة المماليك ومقابر الإمام الشافعي بين التحديث والتراث
كتب: مريم هاني
غير أن هذه الكنوز المعمارية أصبحت اليوم مهددة بالتدمير تحت شعار "التطوير العمراني"، من بين تلك المعالم، قباب قرافة المماليك ومقابر الإمام الشافعي، التي كانت رمزاً للتاريخ والهوية المعمارية الإسلامية،لكنها تواجه الآن مصيراً مجهولاً.
وفي إطار الخطط الرامية لتوسيع الطرق وتحسين البنية التحتية، قامت الحكومة المصرية بتنفيذ مشاريع إنشائية كبيرة، أبرزها بناء الكباري والطرق السريعة لربط أحياء الأغنياء وتسهيل حركة المرور.
المشروع الأبرز الذي يثير جدلاً واسعاً هو بناء الكوبري الذي يربط بين مناطق القاهرة في غضون 10 إلى 15 دقيقة. ورغم أن هذا التحديث يمثل ضرورة ملحة في مدينة ضخمة مثل القاهرة، إلا أن الثمن الذي تدفعه المدينة لا يمكن إغفاله؛فهو يتجاوز مجرد هدم بعض المباني ليصل إلى فقدان جزء من هوية المدينة التاريخية.
وتمثل مقابر الإمام الشافعي أحد أهم مواقع التراث الإسلامي في مصر، فهي تضم قبر الإمام الشافعي، مؤسس أحد المذاهب الأربعة في الفقه الإسلامي، وتعد واحدة من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في القاهرة، وتتميز هذه المنطقة بمزيج معماري فريد يضم قباباً وأضرحة تعود إلى عصور مختلفة.
ومع ذلك، تم هدم أجزاء كبيرة منها بحجة توسيع الطرق،مما يثير التساؤلات حول مستقبل هذا المكان التاريخي.
وتعد قرافة المماليك، الواقعة في جنوب القاهرة، من أبرز المواقع الأثرية التي تجسد الفن المعماري المملوكي، حيث القباب والمآذن التي تعلو هذه القرافة ليست مجرد عناصر زخرفية، بل هي معالم تعبر عن عبقرية التصميم المعماري الإسلامي في ذلك العصر.
لكنها اليوم تواجه تهديداً خطيراً بالزوال، إذ تم هدم العديد من القباب والأضرحة لإفساح المجال لمشاريع تطويرية.
ويرى البعض أن البنية التحتية الحديثة ضرورة لتحسين حياة السكان وتسهيل الحركة في المدينة المكتظة.
بينما يجادل آخرون بأن التراث المعماري ليس مجرد مبانٍ قديمة، بل هو هوية ثقافية وتاريخية يجب الحفاظ عليها. ففي الوقت الذي تسعى فيه العديد من الدول لاستعادة معالمها التاريخية، تبدو القاهرة وكأنها تتجه نحو هدم هذا التراث لصالح مشاريع تطويرية قصيرة الأمد.
ومع استمرار هذه المشاريع، يخشى الكثيرون أن تتحول القاهرة تدريجياً إلى مدينة بلا ملامح تاريخية، اليوم قد تكون مقابر الإمام الشافعي وقرافة المماليك هي الضحية، ولكن من يضمن أن لا تمتد يد الهدم إلى معالم أخرى؟، ما هو المستقبل الذي ينتظر مدينة الألف مئذنة؟
يجب أن يكون هناك توازن بين الحفاظ على التراث والتطوير العمراني. نعم، المدينة بحاجة إلى تحديث بنيتها التحتية،لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب تاريخها وهويتها. حماية التراث مسؤولية جماعية،ويجب أن يكون التطوير مدروساً بحيث يحافظ على ما يجعل القاهرة فريدة من نوعها:تاريخها الذي يروي قصص أجيال عبر مآذنها وقبابها وأضرحتها.
