رئيس التحرير
فاروق بدير
مدير تحرير
حسام البحيري

logo

رئيس مجلس الإدارة: چون طلعت رئيس التحرير: فاروق بدير مدير تحرير: حسام البحيري

أهم الأنباء

رآي 2026-01-06 15:40:03

الإكراه المقدّس: أخطر أشكال الطاغوت

د وليد كريم

كتب: د وليد كريم

حين يرد مفهوم الطاغوت في الوعي العام، يتجه الذهن سريعًا إلى صنمٍ تاريخيٍّ أو طاغيةٍ سياسيٍّ بعينه، كأن الطاغوت اسمٌ لشخص أو لتمثال. لكن القرآن لا يقدّم الطاغوت بهذه البساطة، بل يضعه داخل بنية معرفية–وجودية دقيقة، تجعل الطاغوت ظاهرةً تتكرر في كل زمان، لأنها ليست مرتبطة بالمادة أو بالأسماء، بل بمنطقٍ يحكم العلاقة بين الإنسان والحق. وأوضح موضع يكشف هذا المنطق هو قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. هذه الآية ليست جملةً أخلاقيةً عامة، بل منظومة اشتغال كاملة: تبدأ بنفي الإكراه، ثم تعلن أن الرشد قد تبيّن من الغي، ثم تجعل الكفر بالطاغوت شرطًا سابقًا للإيمان بالله، ثم تختم بأن هذا المسار هو وحده الذي ينتهي إلى “العروة الوثقى” التي لا انفصام لها. إن ترتيب الآية وحده كافٍ ليقلب الفهم التقليدي رأسًا على عقب: فالقرآن لا يكتفي بأن يقول “آمنوا بالله”، بل يقول ضمنًا: لن يتحقق الإيمان بالله ما لم يتحقق أولًا التحرر من الطاغوت.

ومن هنا يصبح الإكراه ليس مجرد خطأ سلوكي يقع من المؤمنين أو من المؤسسات، بل يصبح العلامة الجوهرية للطاغوت نفسه. فالآية تفتتح بنفي الإكراه لأن الإكراه هو البيئة الطبيعية التي يتنفس فيها الطاغوت؛ حيثما وُجد الإكراه وُجد الطاغوت، وحيثما سقط الإكراه سقط الطاغوت تلقائيًا، حتى لو بقيت الشعارات الدينية والسياسية كما هي. فالله لا يعرّف الإيمان باعتباره امتثالًا قسريًا، لأن الامتثال قد يصنع طاعةً ظاهرية، لكنه لا يصنع إيمانًا. الإيمان لا يتحقق تحت التهديد، ولا ينمو في حضن الخوف، ولا يتأسس على تعطيل العقل؛ الإيمان فعل وعي، والوعي لا يولد إلا في فضاء الحرية. لذلك لا يصح أن نقرأ “لا إكراه في الدين” كجملةٍ جانبية، بل كإعلان أن الدين الحق لا يقوم على القهر، وأن أي دينٍ يتحول إلى منظومة قسر هو انتقال من الله إلى الطاغوت، حتى لو رفع اسم الله في كل خطاب.

ثم تأتي العبارة الحاسمة: ﴿قد تبيّن الرشد من الغي﴾، وكأنها تقول إن الحق حين يكون حقًا لا يحتاج إلى عصا ولا إلى محكمة ولا إلى مطاردة. الرشد يتبيّن بذاته، والغيّ ينكشف بذاته، فإذا استُدعي الإكراه فهذه علامة على أن “التبيّن” قد مُنع أو شُوّه أو أُخضع لصناعة الخوف. وهنا تظهر حقيقة الطاغوت المعاصر: إنه لا يحارب الحقيقة مباشرة، بل يحارب “التبيّن”، أي يحارب قدرة الإنسان على التمييز. الطاغوت لا يريدك أن ترى، بل يريدك أن تتبع؛ لا يريدك أن تفهم، بل يريدك أن تخضع؛ لا يريدك أن تسأل، بل يريدك أن تصمت. ولذلك يعمل الطاغوت دائمًا في مناطق الغموض والقداسة المصنوعة، وفي المناطق التي يُحاصر فيها العقل بتهمة، والضمير بخوف، والإنسان بعزلة.

وبهذا تصبح عبارة ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ برنامج تحرير لا شعارًا عقديًا. “الكفر بالطاغوت” ليس سبًّا ولا لعنةً ولا حركةً دعائية، بل هو رفضٌ عميق لمنطق الإكراه ذاته: رفض احتكار الحقيقة، ورفض مصادرة الوعي، ورفض أن تتحول المؤسسة—دينية كانت أو سياسية أو اجتماعية—إلى وسيطٍ قهريٍّ بين الإنسان وبين حقه في التبيّن والاختيار. ولهذا جاء الترتيب القرآني صادمًا للوعي الكسول: الكفر بالطاغوت يسبق الإيمان بالله، لأن من لم يتحرر من سلطة الإكراه لن يصل إلى الإيمان، بل سيبقى أسير “الطاعة” التي قد تتزين بالدين لكنها ليست منه. الطاغوت يطلب الطاعة، أما الله فيطلب الوعي. الطاغوت يصنع أتباعًا، أما الله فيصنع بشرًا أحرارًا مسؤولين.

وإذا انتقلنا إلى الواقع، رأينا الطاغوت يتعدد في الوجوه لكنه يتوحد في الجوهر: طاغوت ديني يحتكر تفسير الله ويُكفّر السؤال، طاغوت سياسي يقدس السلطة ويجرّم المعارضة، طاغوت اجتماعي يقمع المختلف باسم العرف، وطاغوت فكري يحرم النقد ويشيطن الوعي. كل هذه الأشكال تختلف في اللباس، لكنها تلتقي في نقطة واحدة: صناعة الإكراه بوصفه معيار “الحق” أو “المصلحة” أو “الثوابت”. وهنا تتحول القداسة إلى أداة ضبط، وتتحول القيم إلى سلاسل، ويتحول الدين—بدل أن يكون تحريرًا—إلى جهاز إداري لعقاب الإنسان على حريته.

ولهذا يختم القرآن النتيجة لا بالانتماء إلى جماعة ولا بالتعصب لمذهب، بل بالاستمساك بالعروة الوثقى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾. العروة الوثقى ليست مؤسسةً تُكره الناس، ولا سلطةً تُطارد المختلف، ولا نظامًا يفرض نفسه بالسوط؛ إنها رباط داخلي بين الإنسان والحق، علاقة لا تحتاج إلى حراسة لأنها قائمة على التبيّن، ولا تنفصم لأنها لم تُبنَ على الخوف. ومن هنا يمكن تلخيص الطاغوت المعاصر في تعريف واحد: هو كل بنية قهرية—دينية أو سياسية أو اجتماعية أو فكرية—تصادر حرية الإنسان في التمييز والاختيار، وتفرض نفسها بدل العقل والضمير، باسم الله أو باسم الحق أو باسم الوطن أو باسم المصلحة العامة. وبذلك لا يكون الصراع الحقيقي بين “مؤمن وكافر” كما تُسطّحه الشعارات، بل بين حريةٍ تُنتج وعيًا ومسؤولية، وإكراهٍ يُنتج قطيعًا وخضوعًا؛ بين “تبيّنٍ” يفتح باب الرشد، و“طاغوتٍ” يغلقه بالقوة.

الكلمات المفتاحية:


الاكثر قراءة

تخفيض اجرة السوزوكي في مدينة الشروق .. تعرف على السعر الجديد تشغيل خطوط سير داخلية جديدة في مدينة الشروق "بتوقيت ماما" حملة أطلقها طلاب بإعلام القاهرة للتوعية بمراحل الحمل مسلسل سيد الناس بطولة عمرو سعد في رمضان ٢٠٢٥

رٱي

صبحي موسى يكتب: اتركوا لنا السعدني بجنونه العبثية في العالم الحديث: بين فوضى الواقع وحاجة الإيمان الإكراه المقدّس: أخطر أشكال الطاغوت عبد الرحيم علي يكتب: البتاعة والبتاع… وعبقرية الأبنودي