بين سيرة الحارة وفلسفة العبث: كيف قرأ حسن حماد عالم نجيب محفوظ؟
كتب: ابتهال عبد الوهاب
بمناسبه اختيار. العظيم نجيب محفوظ شخصيه هذا العام بمعرض القاهره الدولي للكتاب اقدم قراءه في كتاب البطل العبثي في روايات نجيب محفوظ للدكتور حسن حماد. وهو من أهم كتب الفيلسوف القدير د. حس حماد
نجيب محفوظ
شخصيه ثريه معرفيا
هو ليس
مجرد اسم يتصدر لافتات المعارض ولا صورة معلقة في ذاكرة الثقافة العربية بل
هو سؤال مفتوح عن معنى الوجود في زمن القهر وسيرة وعي تشكلت بين الحارة والتاريخ
وبين الحلم والانكسار
حين نقرأ محفوظ
لا ندخل عالما روائيا بقدر ما ندخل مختبرا انسانيا فسيحا تمتحن فيه الاسئلة الكبرى
الموت والحرية والقدر والمعنى والعدالة والعبث في شروطها الواقعية لا في تجريدها
الفلسفي
اختياره شخصية
هذا العام لمعرض القاهرة الدولي للكتاب ليس احتفاء بماض منجز بقدر ما هو استدعاء
راهن لصوت لم يخفت بعد لان محفوظ كتب عن ازمات لم تنته وعن انسان لم يجد خلاصه بعد
وعن واقع ما زال يعيد انتاج القهر باقنعة مختلفة ولان ادبه ظل شاهدا على لحظة
التمزق بين حلم التغيير وسطوة الواقع وبين توق المعنى وقسوة العبث
ومن هذا المنظور
تكتسب قراءة الدكتور حسن حماد اهميتها الاستثنائية فهي لا تتعامل مع محفوظ ككاتب
عبثي بالمعنى الأكاديمي الحرفي ولا كمؤرخ روائي للواقع المصري فحسب بل كفيلسوف
متخف في ثوب السرد يرصد انهيار المعنى دون ان يحتفل بالعدم ويكشف مأزق الانسان دون
ان يسلبه حق السؤال فالبطل العبثي عند محفوظ ليس بطلا للفراغ بل كائنا يقاوم
السقوط بالوعي حتى وهو يسقط
في هذا الافق الفلسفي يجيء كتاب البطل
العبثي في روايات نجيب محفوظ للدكتور حسن حماد بوصفه قراءة كاشفة لا تسعى الى
تصنيف محفوظ ضمن خانة الادب العبثي الجاهزة بقدر ما تحاول تحريره من هذا التصنيف
الاختزالي فمحفوظ في نظر حماد ليس كاتب عبث بالمعنى الكافكوي او البيكيتي الخالص
وانما هو كاتب وعي مازوم يلتقط العبث من صميم الواقع لا من فراغ التجريد ويعيد
صياغته داخل بنية انسانية واخلاقية مفتوحة على السؤال لا على العدم
يرفض الدكتور
حسن حماد ان يختزل عالم محفوظ في كلمة واحدة لان تجربة محفوظ الروائية اكثر تعقيدا
وتشابكا من ان ترد الى مذهب فلسفي بعينه
صحيح ان الموت
والقدر والخوف والعجز وانعدام المعنى والاغتراب والياس واللاجدوى تشكل نسيجا كثيفا
في اعماله لكن هذه القضايا الوجودية لا تطرح عند محفوظ بوصفها نهاية التفكير بل
بدايته فالعبث عنده ليس ميتافيزيقا مغلقة بل تجربة انسانية تختبر داخل التاريخ
والمجتمع والسياسة
ومن هنا تبرز
المفارقة الكبرى نجيب محفوظ يعترف بعبثية الحياة لكنه لا يتخذ منها موقفا نهائيا
انه اقرب في ذلك الى سارتر وكامو لا الى كافكا او يونسكو فبينما ينتهي العبث عند
هؤلاء الى صمت مطبق او دائرة مغلقة من اللامعنى يظل العبث عند محفوظ جرحا مفتوحا
والما واعيا ومحاولة مستمرة للبحث عن خلاص حتى وان كان هذا الخلاص مؤجلا او
مستحيلا
الحس التراجيدي
الذي يهيمن على اعمال محفوظ كما يوضح حماد لا ينبع من نزعة تشاؤمية مجردة بل من
ادراك عميق لعقم التجربة البشرية داخل واقع مسدود الافق ابطاله في الغالب لا ينجون
لا لانهم ضعفاء فحسب بل لان الواقع اقسى من احلامهم واعتى من تمردهم سعيد مهران
بعنفه واندفاعه يصطدم باسنان الواقع الحادة عمر الحمزاوي بثورته الحالمة يعجز عن
اختراق بنية القهر عثمان خليل بايمانه بالاشتراكية العلمية يكتشف ان الافكار وحدها
لا تهزم التخلف وصابر في رحلته للبحث عن الاب الغائب لا يعثر الا على التيه
والظلام
هنا يتجلى البعد
الفلسفي الاعمق في قراءة الدكتور حسن حماد العبث المحفوظي ليس عبث الفرد المعزول
بل عبث المجتمع المقهور فمحفوظ وقد استوعب الواقع المصري الحديث بوعي الفنان
وبصيرة الفيلسوف ادرك هشاشة الامل وذبول المعنى في ظل القهر السياسي وغياب الحرية
وهيمنة السلطة الاحادية وما يترتب على ذلك من تغييب الوعي السياسي وانحسار التفكير
العقلاني وصعود الخطاب الديني الاصولي التكفيري بوصفه ملاذا نفسيا للجموع اليائسة
وفي هذا السياق
تصبح العبثية عند محفوظ نتيجة تاريخية لا قدرا ميتافيزيقيا انها ثمرة واقع لا يسمح
للفرد بان يحقق ذاته ولا للفكرة بان تتحول الى قوة تغيير ولذلك يفشل جعفر الراوي
في قلب الليل حين يتوهم ان مذهبا فكريا جديدا قادر وحده على انقاذ العالم فالافكار
عندما تنفصل عن شروطها الواقعية قد تقود الى الجريمة والضياع بدل الخلاص
ان البطل العبثي
عند نجيب محفوظ كما يقدمه الدكتور حسن حماد ليس بطلا عدميا بل كائن مازوم واع
بمأساته يتعذب لانه يفكر ويهزم لانه يرى بوضوح عبثه ليس احتفالا بالعدم بل احتجاجا
صامتا على واقع مسدود ومحاولة اخيرة للتشبث بالمعنى قبل ان يتلاشى
من هنا تاتي
اهمية هذا الكتاب فهو لا يعيد قراءة محفوظ فحسب بل يعيد مساءلتنا نحن عن علاقتنا
بالواقع وبالامل وبالفكرة وبالحرية وفي زمن تتجدد فيه اشكال القهر والاغتراب يبدو
نجيب محفوظ عبر قراءة حسن حماد كاتبا معاصرا على الدوام يذكرنا بان اخطر اشكال
العبث ليست تلك التي نقراها في الروايات بل تلك التي نعيشها دون وعي
ومن هنا تظل
روايات محفوظ شهادة مفتوحة على عصر لم ينقض وانسان لم يتحرر بعد وعبث لم يهزم لان
الوعي به هو اول اشكال مقاومته ولان الادب حين يبلغ هذا العمق لا يكون ترفا جماليا
بل فعلا وجوديا يعيد للانسان حقه في السؤال حتى وهو محاصر بالهزيمة
تلك هي قوة نجيب
محفوظ وتلك هي راهنيته الدائمة ان يجعلنا نرى ان المعنى قد يجرح لكنه لا يموت وان
العبث مهما اتسع لا يستطيع ان يلغي يقظة العقل ولا شجاعة الوعي ولا عناد السؤال
