سامح شاكر يكتب: ثقافة الاقصاء ومحاكمة وسيم السيسي
منصة الحوار تحوّلت إلى ساحة صراع
كتب: سامح شاكر
ما جرى في ندوة قصر الأمير طاز لم يكن مجرد اختلاف علمي في وجهات النظر، بل كان عرضًا مؤسفًا لثقافة الإقصاء التي ما زالت تتحكم في كثير من مساحات الحوار في عالمنا العربي. تحوّل النقاش المفترض أن يكون ساحة للتفاعل والمراجعة والتصويب إلى محاكمة علنية للدكتور وسيم السيسي، اتفق فيها بعض الحاضرين—بقصد أو بدون قصد—على دفع الرجل إلى الزاوية، ونزع شرعية أفكاره قبل حتى مناقشتها.
لقد بدا الأمر
كما لو أن منصة الحوار تحوّلت إلى ساحة صراع، ليس هدفها الوصول إلى حقيقة أو توسيع
فهم، بل تثبيت سلطة معرفية يحتكرها بعض الأسماء التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها
"المرجعية الوحيدة" في علم المصريات. وهذا في حد ذاته خطر كبير، لأن أي
علم، مهما بلغ من الدقة والعمق، حين يتحول إلى ملكية خاصة أو ميراث غير قابل
للمساس، فإنه يبدأ في التآكل من الداخل.
فالاختلاف في
العلم ليس ترفًا، ولا تحديًا شخصيًا، بل هو جوهر العملية العلمية نفسها؛
الأسئلة هي
المحرك، والجرأة في التفكير هي الوقود، والاعتراف بإمكانية الخطأ هو باب التطور.
لكن حين يُهاجَم
المختلف، ويُستهزأ به، ويُعامل كخصم لا كزميل، فإننا نكون قد انتقلنا من فضاء
العلم إلى فقه العصبية—نفس العقلية التي تُدينها المؤسسات العلمية حين تجدها في
الدين أو السياسة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
فكما يوجد
متطرفون يتعاملون مع النصوص الدينية باعتبارها سلاحًا، يوجد أيضًا متعصبون
يتعاملون مع العلم بالطريقة ذاتها، وكأنهم أنبياء الإله الجديد المسمى
"العِلم"، يمنحون البركات ويحجبون الصكوك حسب أهوائهم.
الأخطر من ذلك
أن مثل هذه السلوكيات تُقوِّض ما يدّعي البعض حمايته: الهوية المصرية. فالهوية
ليست حجرًا صلدًا، بل نهر يتجدد؛ قوتها في تعدد قراءاتها، وفي قدرة كل جيل على
إعادة اكتشافها. أما تجميد التاريخ، وتحويل الرأي العلمي إلى عقيدة مقدسة، فذلك لا
يخدم التراث، بل يضعه في متحف مغلق يُمنع الاقتراب منه.
العلم لا ينتصر
بالصوت الأعلى، ولا بالهجوم الجماعي، ولا بقتل المساحات التي تفسح للمختلف أن
يتنفس.
العلم ينتصر حين
يُسمح لكل رأي أن يُطرح، ولكل فكرة أن تُختبر، وللأسئلة أن تُطرح حتى وإن بدت
صادمة.
وما حدث مع
الدكتور وسيم السيسي—مهما كانت نقاط اتفاقنا أو اختلافنا معه—يمثل نقطة تحذير:
إذا لم نحافظ
على فضاء آمن للاختلاف، سنفقد القدرة على إنتاج معرفة جديدة، وسيتحول التراث الذي
نفاخر به إلى مجرد شعار يرفعه بعضهم لترسيخ نفوذهم لا لخدمة الحقيقة.
إن أخطر ما يمكن
أن يصيب أي مجال معرفي هو تأليه الأشخاص وتأبيد الأفكار. وحين يصبح الخلاف خطيئة،
يصبح التطور مستحيلًا.
