في حضره ديسمبر.. شهر العتبات الأخيره
نص
كتب: ابتهال عبد الوهاب
ديسمبر…
ذلك المتلفع بالبرد، العابر على أطراف العام كقديس
عجوز يحمل في يده مصباحا خافتا، وفي الأخرى دفتر اعترافاتنا.
كحكيمٍ يمشي
حاملا كتابه السري، ذاك الذي لا تكتب صفحاته بالحبر، بل بدموعنا، بضحكاتنا
النادرة، وبكل ما مر علينا وترك أثرا لا يرى إلا بالقلب.
هو ليس شهرا؛
إنه مائدة الزمن الأخيرة، حيث يجلس الماضي على الكرسي الأول، والحاضر متحفظا
والمستقبل واقفا عند الباب ينتظر إذنا بالدخول
يأتي ديسمبر
كأنه اختبار أخير قبل أن يسدل العام ستارته؛
لا ليحاسبنا، بل
ليضعنا وجها لوجه أمام ذواتنا الحقيقية،
أمام تلك
الأسئلة التي أخفيناها طوال الأشهر،
وتلك الحقائق
التي مررنا بجانبها متعمدين ألا نلتفت.
في حضرته، يصبح
الزمن أشبه بمرآة مشروخة: تعكس وجوهنا كما نحن، وتعكس أيضا وجوهنا كما تمنينا أن
نكون.
وفي المسافة بين
الانعكاسين، تولد فلسفة الوعي المتأخر،
حين ندرك فجأة
أن العمر ليس ما عشناه،. بل ما فهمناه مما عشناه.
إنه آخر الدروس
الفلسفية التي يمنحها العام قبل أن يغلق دفاتره
في ديسمبر، يبدو
العالم كأنه يتوقف ليلتقط أنفاسه.
الأشجار تحني
رؤوسها
والسماء المحمله
بالغيوم تقترب من الأرض كأم انحنت لتسمع بكاء طفلها
والروح… الروح
تنكمش في صدورنا كعصفور هزمه الشتاء ولم يعد يعرف أين يضع جناحه.
ديسمبر ليس
شهرا…إنه عتبة، وبالعتبات يتحدد مصير السائر:
من يقف؟.. من
ينهار؟
ومن ينهض من
ركامه بجناحين جديدين؟
يا ديسمبر…
يا آخر
التنهيدات التي يطلقها العام قبل موته،
يا قفلة
القصيدة، ونقطة السطر التي تمنح الحكاية معناها،
يا صندوق
الأسرار الذي نخبئ فيه آلامنا كي لا تراها الشهور الأخرى وتضحك.
أنت الشهر الذي
نتذكر فيه أننا بشر،
وأن الجرح الذي
خبأناه تحت ضحكات كثيرة ما زال حيا يتنفس،
وأن الأحلام
التي أجلناها طوال السنة تستيقظ فجأة،
تطالبنا
بحقوقها،
في حضرتك يصبح
الزمن مرآة.
لا تظهر وجوهنا
فحسب، بل تكشف ظلالنا أيضا؛
ذلك الجزء
الصامت الذي نسيْناه خلف الركض اليومي.
ننظر في المرآة،
فلا نرى ما كنا، بل ما كان ينبغي أن نكون.
هو شهر
المراجعة،
شهر يعيد ترتيب
أرواحنا كما تعيد الريح أوراق الشجر إلى الأرض،
لا انتقاما… بل
عودة إلى أصل الأشياء.
وفي لياليه
الطويلة حين يثقل الصمت حتى تكاد تسمع نبض قلبك. تدرك أن ديسمبر ليس نهاية،
بل امتحان صغير
يقدمه الزمن كل عام ليعرف:
هل ما زلنا
قادرين على الأمل؟
على الحلم؟
على التمسك بخيط
النور الأخير دون أن ننزلق في هوة العدم؟
ديسمبر هو
الوداع الذي لا نقوله،
والبداية التي
تخجل من الإعلان عن نفسها،
هو الباب الذي
نصفه مفتوح ونصفه مغلق،
هو لحظة التردد
بين دمعة وابتسامة،
بين خسارة
نعرفها جيدا وأمل لا نعرف عنه شيئا سوى أنه… موجود.
يا ديسمبر…
يا صديق
الحقيقة،
يا مرآة القلب،
يا طقس الاعتراف
العظيم:
علمنا كيف نترك
ما يؤلم، ونمسك بما يستحق،
ونمضي إلى العام
المقبل بخفه من اكتشف أن الزمن لا يصنع الجراح،. إنما يكشفها فقط..و أن الجراح
ليست نهاية
ها نحن نقف على
عتبتك،
لا نودع العام
الذي مضى،
بل نودع نسختنا
القديمة التي سقطت في الطريق،
ونستعد لنسخة
جديدة من أنفسنا،
نسخة أكثر لطفا
وأكثر حكمة،
وأقرب… إلى ما
نحب أن نكون.
يا ديسمبر…
يا آخر شهقات
العام،
اعبر كما تشاء،
لكن اترك لنا من
نورك ما يضيء طريق العودة إلى ذواتنا.
اترك في صدورنا
تلك اللمعة الصغيرة التي لا يراها أحد،
التي بها نحيا،
وبها نقاوم، وبها نبدأ من جديد.
أهلا ديسمبر…
