نحو قراءة معاصرة: رد على بيان "حراس النص"
كتب: حسام الحداد
تُمثل الردود المؤسسية الأخيرة، وعلى رأسها بيان الأزهر الشريف، لحظة كاشفة للصراع المعرفي بين منهجين: منهج يرى في التراث "كتلة صماء" واجبة الاتباع، ومنهج تنويري يرى أن "القراءة المعاصرة" ليست مجرد ترف فكري أو محاولة للهدم، بل هي ضرورة حيوية لبعث الروح في الفكر الإسلامي الذي عانى من الركود المعرفي لقرون طويلة. إن حصر التشريع في منظومة "أصول الفقه" التي استقرت في سياقات تاريخية ولغوية غابرة، يعني بالضرورة تجميد العقل البشري ومنعه من التفاعل الخلاق مع تعقيدات الحياة الحديثة؛ فالدعوة للتجديد ليست طعناً في الدين، بل هي محاولة لتحرير "الجوهر الإلهي" من "القوالب البشرية" التي لم تعد قادرة على استيعاب تطلعات الإنسان المعاصر نحو الحرية والعدالة.
إن ما يصفه
البعض بأنه "مخططات للتشكيك" هو في جوهره حراك عقلاني يسعى لاستعادة
"مركزية القرآن" كمرجعية عليا تتجاوز حجب التأويلات المذهبية التي
تراكمت عبر العصور. إننا أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما الإصرار على وصاية الماضي
بآلياته التقليدية التي أفرزت فجوة بين الدين والواقع، وإما الانفتاح على
"فقه جديد" يؤمن بأن النص المقدس يمتلك من المرونة ما يجعله معاصراً لكل
زمان، شريطة أن نجرؤ على قراءته بأدوات عصرنا العلمية واللسانية. إن الهدف الأسمى
ليس القطيعة مع الدين، بل التصالح معه عبر تحويله من "سلطة نصية" جامدة
إلى "طاقة روحية" وقيمية تساهم في بناء الإنسان والحضارة، بعيداً عن
منطق التحريم والوصاية المعرفية.
مركزية القرآن
وحركية التاريخ
يرتكز الخطاب
التنويري على بديهية معرفية مفادها أن القرآن الكريم هو النص الوحيد الذي حظي بـ
"التواتر الجمعي" قطعي الثبوت، مما يجعله المرجعية المطلقة والوحيدة
التي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. في المقابل، يرى التنويريون أن
"السنة القولية" في أغلبها تندرج تحت مسمى "أخبار الآحاد"،
وهي مرويات ظنية الثبوت نقلت بالمعنى وخضعت لآليات الذاكرة البشرية وتحولات
الصراعات السياسية والمذهبية التي تلت عصر النبوة بعقود طويلة. لذا، فإن وصف
"الاكتفاء بالقرآن" بأنه محاولة خبيثة هو مصادرة على المطلوب؛ فالتنوير
لا يستهدف هدم الدين، بل يهدف إلى حمايته من خلال فك الارتباط بين "المقدس
الإلهي" (القرآن) وبين "المجهود البشري" (الرواية)، مؤكداً أن حصر
التشريع في النص القرآني هو عودة للأصل وتنقية للعقيدة من الحواشي التي أضيفت
إليها عبر التاريخ.
يكمن جوهر
القراءة المعاصرة في القدرة على التمييز بين "الرسالة الخالدة" العابرة
للزمان والمكان، وبين "الممارسة النبوية" التي كانت استجابة ذكية وحكيمة
لواقع اجتماعي وجغرافي محدد في شبه الجزيرة العربية قبل 1400 عام. هذا التفريق ليس
"إنكاراً للسنة" كما يروج البعض، بل هو وضع لها في سياقها الصحيح بوصفها
"تجربة تاريخية رائدة" وليست "قوالب تشريعية سرمدية". إن
"تنزيه المطلق عن النسبي" يعني ألا نحمّل الله والرسول تبعات اجتهادات
فقهية أو أحاديث ارتبطت بظروف عصرها (مثل قضايا السبي، أو أنواع الأطعمة، أو هيئات
اللباس)، بل يجب استخلاص "المقصد الأخلاقي" من تلك الممارسة وتطبيقه في
واقعنا المعاصر بأدواتنا نحن، لا بأدوات القرن الثاني الهجري، لضمان حركية الدين
ومواكبته لصيرورة التاريخ.
مفهوم
"الحوكمة المعرفية" أم الوصاية؟
إن ما وصفه
البيان بـ "الحوكمة المعرفية" ليس إلا منظومة من الأدوات البشرية التي
اجتهد في وضعها علماء "الجرح والتعديل" و"أصول الفقه" في قرون
خلت، وهي أدوات صِيغت لضبط الرواية الشفهية في سياق تاريخي اتسم ببدائية وسائل
التوثيق. من وجهة نظر تنويرية، فإن إضفاء صفة "القداسة" أو
"الإطلاق" على هذه المناهج البشرية هو خلط معرفي خطير؛ فالمنهج الذي
وضعه البخاري أو الشافعي هو "قراءة بشرية" لضبط النص، وليس جزءاً من
الوحي. لذا، فإن مراجعة هذه الأدوات اليوم ليست تشكيكاً في الدين، بل هي ممارسة
لحق العقل في نقد "الوسائط" التي نقلت إلينا هذا الدين، ورفض لتحويل
اجتهادات الماضي إلى "وصاية معرفية" تمنع العقل المعاصر من الاتصال
المباشر بالقرآن دون وسيط تاريخي.
يرى التيار
التنويري أن "الإجماع" الذي يستند إليه الخطاب التقليدي كان تعبيراً عن
"سقف معرفي" محدد بزمانه وبيئته، ولا يمكن عقلاً ولا شرعاً تحويله إلى
قيد أبدي يلزم الأجيال القادمة التي تمتلك أدواتاً معرفية أكثر دقة. إننا اليوم
بحاجة إلى استبدال الأدوات الفقهية التقليدية بآليات النقد الحديثة، مثل
"الهرمنيوطيقا" (علم التأويل) و "اللسانيات البنيوية"، لفهم
النص في سياقه اللغوي والتاريخي العميق. إن "الحوكمة" الحقيقية لا تكون
بحجب الآراء المختلفة أو الوصم بـ "الشذوذ الفكري"، بل بفتح باب
الاجتهاد ليتنفس النص القرآني في فضاء العصر، معتبرين أن كل جيل له الحق في بناء
ميزانه المعرفي الخاص الذي يربط بين القيم الإلهية الثابتة والواقع الإنساني
المتغير.
الثوابت
والمتغيرات: أين الحدود؟
يرى الفكر
التنويري أن ما يُصطلح عليه بـ "الثوابت" قد تعرض لعملية تضخيم فقهي حوّلت
الكثير من "العادات" و"الوسائل" التاريخية إلى
"عبادات" وأصول دينية لا تقبل النقاش. ففي قضايا مثل
"الحجاب"، يكشف التحليل السسيولوجي والتاريخي للنصوص أنها كانت مرتبطة
بظرفية اجتماعية تهدف لتمييز "الحرائر" عن "الإماء" صوناً لهن
في بيئة معينة، مما يجعل الجوهر هو "العفة والكرامة الإنسانية"
(المقصد)، بينما "الشكل واللباس" (الوسيلة) خاضع لعرف العصر وتطوره. إن
قراءة التحريمات أو الفرائض من زاوية "مقاصد الشريعة" تسمح بتقديم فهم
ديني يتصالح مع الحريات الفردية ومنظومة حقوق الإنسان، بدلاً من التمسك بقشور نصية
أُخرجت من سياقها الزماني لتُفرض كقالب جامد على واقع مغاير تماماً.
إن الدعوة إلى
القطيعة مع التراث لا تعني التبرؤ من الهوية أو التاريخ، بل هي "قطيعة
منهجية" تهدف إلى التحرر من سطوة "العقل المستقيل" الذي يكتفي باستعادة
حلول الماضي لمشكلات الحاضر. التراث، في نظر التنوير، هو مخزن للتجارب البشرية
المُلهمة وليس "مصدراً للتشريع" يضاهي الوحي؛ لذا فإن نقد كبار الأئمة
أو مراجعة أركان فُهمت بطريقة طقسية بحتة هو محاولة لضخ دماء جديدة في جسد الأمة.
الهدف هو الانتقال من "إسلام الوراثة" القائم على التسليم المطلق لآراء
الفقهاء، إلى "إسلام الوعي" الذي يعيد بناء علاقته مع الله والكون بناءً
على مقتضيات العقل الحديث، محولاً الدين من "قيود تراثية" تعيق النهضة
إلى "طاقة روحية" تدفع نحو التقدم والعدالة.
الحرية الفكرية
مقابل "البلبلة"
إن استخدام مصطلح "إثارة البلبلة" لوصم الأفكار الجديدة هو استراتيجية دفاعية كلاسيكية تهدف إلى حماية "الجمود المعرفي" تحت لافتة الحفاظ على السلم المجتمعي. من منظور تنويري، فإن ما يراه التقليديون "بلبلة" هو في حقيقته "حراك فكري" علامة على حيوية المجتمع وقدرته على السؤال. إن المجتمعات الحديثة لا تُبنى عبر سياسات "الوصاية الفكرية" أو محاولات "صيانة" الوعي من خلال الحجب والمنع، بل تُبنى عبر تعزيز "المناعة الذاتية" للفرد، والتي لا تتشكل إلا بالتعرض لمختلف الآراء ونقدها. فالخوف من التشكيك في "الثوابت" يعكس هشاشة في البناء الفكري التقليدي، بينما اليقين الحقيقي هو الذي يصمد أمام رياح التساؤل والبحث العقلاني.
إن توجيه
"شباب الباحثين" للرد على الشبهات هو خطوة قد تبدو إيجابية، لكن قيمتها
الحقيقية تتوقف على "جودة المنهج" لا "قوة الردع". فإذا كانت
هذه الردود ستكتفي بإعادة تدوير المقولات القديمة أو استخدام "الترهيب
الديني" ووصم المخالفين بـ "الخبث" و"سوء النية"، فإنها
لن تزيد الفجوة إلا اتساعاً بين المؤسسة الدينية والأجيال الصاعدة. التنوير يقتضي
أن يكون الحوار قائماً على "الندية المعرفية"، حيث تُحترم أدوات البحث
الحديثة وتُناقش الحجة بالحجة دون استعلاء سلطوي. إن صون استقرار المجتمع الفكري
لا يتحقق بإسكات الأصوات المغردة خارج السرب، بل بخلق فضاء عام يتسع للاختلاف،
ويؤمن بأن الحقيقة ليست ملكاً حصرياً لأحد، بل هي غاية نصل إليها جميعاً عبر
الحوار الحر والمفتوح.
الخلاصة
إن الإسلام الذي
يسعى إليه التنويريون هو دين "العقل والحرية"، لا دين "النقل
والاتباع". نؤمن أن النص القرآني يتسع لكل العصور، وشريطة ذلك هي تحريره من
الأغلال التفسيرية التي وضعها فقهاء عاشوا في عالم لم يعد يشبه عالمنا.
"إن تجديد الفكر الديني يبدأ من
الاعتراف بأن النص مقدس، لكن الفهم بشري.. والبشري دائماً ما يحتاج إلى مراجعة."
