عراقي - إيراني وراء استهداف اليهود في أوروبا
كتب: الجمهورية الجديدة
كشفت تحقيقات وعمليات استخباراتية أميركية وأوروبية أن العقل المدبر للهجمات على اليهود في الغرب هو عراقي - إيراني يدعى محمد باقر السعدي. فما قصته، وماذا عن علاقته بجماعة "أصحاب اليمين" التي ظهرت فجأة عبر الإنترنت، وتبنت عمليات عدة ضد أتباع هذه الديانة ومؤسساتهم ومراكزهم الدينية داخل دول عدة في القارة العجوز؟
لم تعد الهجمات
التي طاولت أهدافاً يهودية في أوروبا تعامل كحوادث متفرقة أو معزولة. وفقاً
لمعلومات استخباراتية ووثائق قضائية أميركية، بدأت تتكشف صورة أوسع تشير إلى وجود
شبكة عمليات عابرة للحدود يشتبه في ارتباطها بأذرع إيرانية، استخدمت مجرمين محليين
ووكلاء غير مباشرين لتنفيذ هجمات من لندن إلى أمستردام وباريس.
التحقيقات
الأميركية اليوم تركز على شخصية محورية هي القيادي في "كتائب حزب الله"
العراقية الموالية لطهران محمد باقر السعدي. وتقول وزارة العدل الأميركية إن الرجل
لم يكن مجرد داعم لعمليات متفرقة، بل أشرف على شبكة نفذت أو خططت لسلسلة هجمات
استهدفت مؤسسات يهودية ومصالح غربية في أوروبا وأميركا الشمالية.
اسمه الكامل
محمد باقر سعد داوود السعدي، ويقول إنه التقى المرشد السابق علي خامنئي قبل ثلاثة
أيام من مقتله بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتميل أجهزة
الاستخبارات الغربية إلى تصديق ادعائه هذا، وفقاً لصحيفة "التايمز"،
وتتهم السعدي البالغ من العمر 32 سنة بتدبير ما لا يقل عن 18 هجوماً في المملكة
المتحدة وأوروبا، إضافة إلى مؤامرة لقتل يهود داخل كنيس يهودي في الولايات المتحدة.
وفقاً لوثائق
محكمة أميركية، قاد السعدي سلسلة الهجمات بالقنابل الحارقة على أهداف يهودية في
لندن باستخدام تطبيق "فيس تايم" التابع لشركة "أبل"، بينما
تقول صحيفة "بليد" الألمانية إن قرار اتهام السعدي يصفه بمسؤول رفيع
المستوى في "كتائب حزب الله" وتدرج في الجماعة منذ عام 2017 في الأقل،
كما يُعتقد أنه كان جزءاً من الحرس الثوري الإيراني منذ عام 2019 في الأقل. ووفق
القرار ذاته، يُعتقد أن السعدي دعا عبر قناته على "تيليغرام" منذ اليوم
الأول للحرب على إيران إلى شن هجمات على الغرب، وكتب وفق ترجمة المحققين
"اقتلوا كل من يدعم أميركا وإسرائيل، لا تتركوا أحداً خلفكم".
ظهر السعدي في
صورة مع القائد السابق لفيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، الذي قتل جراء غارة
أميركية بمسيرة في بغداد عام 2020، وبعد اعتقاله قال السعدي للمحققين إنه كان مثل
"ابن لسليماني"، وفي يوم اغتياله كان من المفترض أن يوصله إلى اجتماع مع
قائد "كتائب حزب الله" العراقية أبي مهدي المهندس، الذي قضى معه في
الهجوم ذاته.
يتهم المحققون
السعدي بتجنيد مجرمين صغار في أنحاء العالم لتنفيذ هجمات لمصلحة طهران مقابل آلاف
الجنيهات من العملات المشفرة. ووفق الصحافة الألمانية، اعترف السعدي بأنه كان
جزءاً من شبكة "مقاومة" تضم عناصر من الحرس الثوري الإيراني وميليشيات
"حزب الله" في العراق وسوريا والحوثيين في اليمن، وادعى لعب أدوار في
العلاقات الإعلامية وجمع المعلومات الاستخباراتية، والحرب النفسية التي تقول
السلطات الأميركية إنها موجهة ضد الغرب بهدف بث الخوف والرعب بين المدنيين.
بحسب المحققين،
كان السعدي يحدد أهداف الهجمات ويبحث عن منفذين، ثم ينسق معهم العمليات، وبعدها
يحول لهم الأموال. وفي 3 أبريل (نيسان) الماضي، أرسل إلى العميل السري الذي أوقعه
في الفخ، خرائط وصوراً لكنيس يهودي داخل نيويورك، ومؤسستين يهوديتين في لوس أنجليس
وأريزونا، ووعده بـ10 آلاف دولار مقابل الهجوم على تلك الأماكن، دفع له منها
مسبقاً نحو 3 آلاف بعملات مشفرة متعهداً بسداد البقية بعد التنفيذ.
يحتجز السعدي في
نيويورك داخل معتقل يجمعه وسجناء بارزين مثل "ملك العملات المشفرة" سام
بانكمان - فريد، وقد صرح محامي السعدي، أندرو دالاك، بأن موكله طلب أن يعامل
كـ"أسير حرب"، بينما تضيف لائحة الاتهام أنه قد عثر في هاتفه على نسخة
من ميثاق ما يسمى "حركة أصحاب اليمين" يعود تاريخه إلى مارس (آذار) من
العام الحالي، وفحواه وفق الترجمة العربية "من اليوم، نعلن بوضوح إن أميركا،
والنظام الصهيوني الإسرائيلي، وأي شخص يتعاون معهما على أي مستوى، لن يكون آمناً".
وتنظيم
"أصحاب اليمين" ظهر فجأة عبر الإنترنت خلال العام الحالي، وخلال أسابيع
قليلة تبنى عشرات الهجمات والاعتداءات التي استهدفت معابد يهودية ومدارس ومراكز
مرتبطة بأتباع هذه الديانة في دول عدة أوروبية، غير أن أجهزة أمنية غربية بدأت
تشكك في استقلالية التنظيم، معتبرة أنه قد يكون واجهة لإخفاء المدبر الحقيقي
للعمليات.
تشير تقارير
استخباراتية أوروبية وأميركية اليوم إلى أن نمط العمليات وانتشارها المتزامن في
دول عدة وطريقة التجنيد عبر الإنترنت، كلها مؤشرات إلى وجود جهة منظمة واحدة تقف
خلف المشهد، مع اتهامات متزايدة لطهران باستخدام أسلوب "الحرب الهجينة"
لتوجيه ضربات منخفضة الكلفة وعالية التأثير داخل القارة العجوز.
الهجمات
المنسوبة للشبكة لم تقتصر على التخريب، فوفقاً للادعاء الأميركي، شملت العمليات
إحراق معابد يهودية وتفجير عبوات قرب مدارس ومؤسسات مرتبطة بالجاليات اليهودية،
إضافة إلى مخططات لاستهداف شخصيات يهودية بارزة، كما كشفت السلطات الألمانية عن
توجيه اتهامات لأشخاص يشتبه بأنهم عملوا لمصلحة أجهزة مرتبطة بالحرس الثوري
الإيراني لجمع معلومات عن قيادات يهودية تمهيداً لاستهدافها.
ما يثير قلق
أجهزة الأمن الغربية ليس فقط طبيعة الهجمات بل الطريقة التي نفذت بها، فبدلاً من
إرسال عناصر استخباراتية مباشرة، تشير التحقيقات إلى استخدام المخططين لشبكات
إجرامية ومجندين محليين وحتى مراهقين جرى استقطابهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي،
مما يمنح الجهة المشغلة قدرة على الإنكار وإخفاء بصماتها.
هذا الأسلوب،
بحسب تقرير نشرته صحيفة "ذا إيريش تايم"، يسمح لطهران بإيصال رسائل ردع
وانتقام خارج حدودها دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة أو ترك أدلة قاطعة تربطها
بالهجمات، وبالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات الأوروبية، لا تتعلق القضية بمجرد حماية
مواقع يهودية أو إسرائيلية، بل بمواجهة نموذج جديد من العمليات السرية يعتمد على
وكلاء وشبكات إجرامية وحملات رقمية. ومع استمرار التحقيقات، يبدو أن السؤال لم يعد
ما إذا كانت هناك حملة منسقة تقف وراء هذه الهجمات، بل إلى أي مدى تغلغلت في
الغرب؟
نقلا عن
الاندبندنت عربية
