لا تُرَدّ ولا تُستبدل، حين يتحوّل الجسد إلى فاتورة مؤجَّلة
كتب: فاطمة عبد لجواد
منذ الوهلة الأولى، يفرض مسلسل «لا تُرَدّ ولا تُستبدل» نفسه قبل أن نراه، لا بما يقدّمه فقط، بل بما يقوله اسمه وحده. عنوان يشي بالنهائية، بالقدر، وبالسلعة النادرة التي إذا تلفت لا تُعوَّض. كأن الإنسان ذاته—جسده، كُليته، حياته—بات يحمل ملصق تحذير: غير قابل للاستبدال، رغم أن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا.
المسلسل عمل
مكتمل العناصر: إخراج واعٍ لا يستعرض عضلاته بلا داعٍ، سيناريو متماسك لا يلهث خلف
الإثارة الرخيصة، وأداء تمثيلي يخدم الفكرة لا النجومية. لكنه قبل كل شيء، عمل
شجاع؛ لأنه يقتحم منطقتين من أخطر المناطق المسكوت عنها: ثقافة المسكنات، وسوق
التبرع بالأعضاء.
المسكنات: الألم
الذي نُسكته… فيقتلنا لاحقًا
القضية الأولى
التي يطرقها العمل ليست جديدة، لكنها مهملة حد الإجرام:
الإفراط في
تناول المسكنات دون استشارة طبية.
المسلسل لا
يصرخ، لا يلقّن، بل يضعك أمام نتيجة باردة وقاسية:
قرص صغير، يهدئ
الألم سريعًا، لكنه يفتح بابًا واسعًا لفشل كلوي صامت، متدرّج، لا يُعلن عن نفسه
إلا بعد فوات الأوان.
وهنا تكمن
عبقرية الطرح؛ فالمسلسل لا يتعامل مع المرض كاستثناء درامي، بل كـظاهرة اجتماعية.
الواقع المصري—كما نعرفه جميعًا—مليء بشباب في مقتبل العمر يغسلون كُلاهم، لا لمرض
وراثي، بل لثقافة استسهال الدواء.
كلٌّ منا يعرف
شخصًا واحدًا على الأقل، وربما أكثر، دفع ثمن “القرص الآمن”.
المسكن هنا ليس
دواءً، بل حلًا كسولًا للألم، والألم—كما يلمّح العمل—حين لا نسمعه، ينتقم.
التبرع بالكُلى:
بين الفتوى والواقع… فجوة قاتلة
القضية الثانية
أكثر حساسية وتعقيدًا: التبرع بالكُلى.
يذكّرنا
المسلسل، بذكاء غير مباشر، بأن دار الإفتاء أجازت التبرع، بشروط واضحة:
ألا يترتب عليه
ضرر على المتبرِّع أو المتلقّي.
لكن بين الفتوى
والواقع، مسافة شاسعة، يملؤها الفقر، واليأس، والاحتيال.
قلة المتبرعين،
وطول قوائم الانتظار، يدفعان المرضى—لا طمعًا بل خوفًا من الموت—إلى التعلّق بأي
أمل، ولو كان وهمًا. وهنا تنشأ سوق سوداء للأمل:
سماسرة، ووعود
كاذبة، وعمليات نصب، يُباع فيها الوهم أغلى من العضو ذاته.
المرضى لا
يُخدعون لأنهم سذّج، بل لأنهم معلَّقون بقشّة، كما يصوّر العمل بمرارة صادقة.
قراءة فلسفية:
الإنسان بين القدر والسلعة
فلسفيًا، يطرح
المسلسل سؤالًا موجعًا:
متى تحوّل الجسد
الإنساني إلى قطع غيار؟
في عالم يُفترض
أنه “لا يُرَدّ ولا يُستبدل”، نكتشف أن الفقراء وحدهم القابلون للاستبدال، وأن
المرض حين يطرق بابك، لا يسألك عن قناعاتك، بل عن قدرتك على الدفع—مالًا أو ألمًا.
العمل لا يُدين
الأفراد بقدر ما يُدين المنظومة:
منظومة صحية
مرهَقة، توعوية غائبة، ودور ديني—رغم وضوح الفتوى—لم يُسلَّط عليه الضوء بما يكفي
ليغلق أبواب الاحتيال، ويفتح أبواب الأمل المشروع.
خاتمة: عمل
يستحق ما هو أبعد من المشاهدة
«لا تُرَدّ ولا تُستبدل» ليس مسلسلًا يُشاهَد
ويُنسى، بل عمل ينبغي أن يُناقَش، وأن يُستَثمر اجتماعيًا.
نحن من أعلى الدول
إحصائيًا في معدلات الفشل الكلوي، وهذه ليست صدفة، بل نتيجة تراكم إهمال طويل.
العمل ينجح لأنه
لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يضعك أمام المرآة، ويسألك بهدوء قاتل:
هل ما زلت
تتعامل مع جسدك كشيء مضمون؟
في عالم كهذا،
يبدو العنوان أقل مجازًا مما نظن، وأكثر واقعية مما نحتمل.
