قراءة نقدية في رواية «قلب الليل» لنجيب محفوظ
كتب: فاطمة عبد الجواد
لا يمكن التعامل مع رواية «قلب الليل» بوصفها سردًا تقليديًا لمسيرة بطل يبحث عن ذاته، بل هي نص إشكالي يتعمد نجيب محفوظ فيه تفكيك فكرة اليقين، سواء كان دينيًا أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا، عبر بناء روائي يقوم على الصراع لا على الحل. فالرواية لا تقود القارئ إلى خلاص بقدر ما تُدخله في متاهة فكرية تعكس مأزق الإنسان الحديث.
تُفتتح الرواية
بمشهد ذهاب جعفر الراوي إلى دائرة الأوقاف، وهو مشهد يحمل وظيفة بنيوية واضحة؛ إذ
يمثّل لحظة السقوط الأولى في وعي الشخصية. فحرمانه من الميراث لا يُقرأ كخسارة
مادية، بل كتحطيم لأسطورة الاستحقاق، حيث يكتشف جعفر أن النسب والانتساب لا يمنحان
معنى ولا ضمانًا. ومنذ هذه اللحظة، يبدأ النص في مساءلة فكرة الوراثة الرمزية
للقيم، تمامًا كما سُلب البطل وراثته المادية.
يعتمد محفوظ في
تشكيل شخصية جعفر على الازدواج والتناقض؛ فهو بطل مأزوم لا يمتلك مشروعًا واضحًا،
وإنما يتحرك بدافع الرفض والبحث في آن واحد. صراعه الداخلي ليس بين الخير والشر،
بل بين الحرية والانفلات، وبين العقل واللذة، وهو ما يجعل الشخصية أقرب إلى نموذج
الإنسان الوجودي منها إلى البطل الأخلاقي التقليدي. هنا لا يدين محفوظ جعفر صراحة،
لكنه يضعه في سلسلة من التجارب التي تكشف هشاشة الاختيار حين ينفصل عن المعنى.
تلعب الشخصيات
النسائية دورًا دلاليًا يتجاوز بعدها السردي. فـمروانة لا تُقدَّم كامرأة بقدر ما
تُقدَّم كتمثيل للغريزة الخام، للحياة قبل التهذيب والتقنين، حيث اللذة بديلاً عن
السؤال. في المقابل، تأتي هدى بوصفها محاولة عقلنة الوجود، ورمزًا للإيمان المنظّم
الذي يسعى إلى احتواء الفوضى الداخلية. غير أن محفوظ يتجنب تقديم أيٍّ من
النموذجين بوصفه خلاصًا نهائيًا، وهو ما يعمّق الطابع الإشكالي للنص.
وتبلغ الرواية
ذروتها الفكرية من خلال توظيف التناص الديني، الذي لا يأتي بوصفه إحالة مباشرة، بل
كحقل رمزي مفتوح. فتمرّد جعفر على القيم السائدة يحيل ضمنيًا إلى تمرد إبليس، حيث
تتقدّم الأنا والرغبة في الاستقلال على الطاعة. غير أن هذا التمرّد لا ينتج وعيًا،
بل يقود إلى الفراغ. وفي مرحلة لاحقة، يقترب النص من تصور مغاير، يتقاطع مع فكرة
النبوة بوصفها وضعًا للمنهج لا مجرد تجربة روحية، في إشارة إلى أن الحرية المطلقة
بلا إطار لا تؤسس معنى، كما أن الإطار بلا قناعة يتحول إلى قيد.
من الناحية
الأسلوبية، تعتمد الرواية لغة مكثفة تميل إلى التجريد، وهو ما قد يخلق مسافة بين
النص والقارئ، لكنه يخدم البعد الفلسفي للعمل. أما البناء السردي، فيقوم على
التتابع المرحلي لا التصاعد الدرامي، بحيث يصبح تطور الوعي أهم من تطور الحدث،
ويغدو الزمن النفسي هو المحرك الأساسي للسرد.
في المحصلة، تمثل
«قلب الليل» واحدة من أكثر روايات محفوظ جرأةً في مساءلة المسلّمات، إذ لا تحتفي
بالثورة لذاتها، ولا تُقدّس الإيمان بوصفه يقينًا موروثًا، بل تضع الإنسان في
منطقة وسطى قلقة، حيث تتكشّف الحقيقة بوصفها سؤالًا دائمًا لا إجابة نهائية له.
إنها رواية عن فشل اليقين أكثر مما هي عن البحث عنه، وعن الإنسان حين يكتشف أن قلب
الليل ليس مرحلة عابرة، بل شرطًا وجوديًا لا فكاك منه.
