الطريق إلى اللا شيء (2)
كتب: فاطمة عبد الجواد
في يوم وليله
أنا وحبيبي دوبنا عمر الحب كله في يوم و ليليه خدنا حلاوة الحب كله في يوم وليله
أنا وحبيبي دوبنا عمر الحب كله في يوم وليله "
في لحظةٍ واحدة،
كأن العمر كلّه انضغط في نبضة قلب. في يومٍ وليلة تذوّقا حلاوة الحب كاملة، بلا
حساب ولا خوف، كأن الزمن قرر أن يمنحهما كل ما ادّخره دفعةً واحدة، ليشقّا بعد ذلك
معًا طريقًا شاقًا بهذا الحب المندفع، حبٍّ لا يعرف التراجع ولا يُجيد الحساب،
حبٍّ كان نعمة في بدايته، ثم صار اختبارًا طويلًا لقلبين لم يتعلّما بعد كيف يهدآن.
وعندما تحرك
الباص استرجعت ما كان بينهما
لم تبدأ علاقتها
بزوجها كحدثٍ واضح المعالم، بل كإحساسٍ مبهم، كفكرةٍ تمرّ في الذهن ولا نلتفت
إليها إلا بعد أن تصير يقينًا. كان اللقاء عابرًا، بلا احتفال، لكن بعض المصادفات
لا تأتي لتُدهش بقدر ما تأتي لتُقيم. منذ النظرة الأولى شعرت أن ثمة اختلافًا لا
يُرى بالعين، بل يُدرك في الداخل، كأن روحها تعرّفت على شيء مألوف ضاع منها زمنًا.
لم تكن البداية
وعودًا ولا اعترافات كبرى، بل كلمات قليلة، محايدة في ظاهرها، عميقة في أثرها. كان
يصغي أكثر مما يتكلم، وكأن حضوره فعل لا قول، وكانت طيبته هادئة لا تحتاج إلى
إثبات. هذا الصمت المطمئن جعلها تشعر بالأمان، ذلك الأمان الذي لا يُصنع بالسيطرة،
بل بالاحترام.
مع الأيام،
تبيّن لها أن الحب ليس لحظة انبهار، بل عملية كشف بطيئة. لم ترَ فيه حبيبًا فقط،
بل إنسانًا يصلح لأن يكون شريكًا في عبء الحياة قبل متعتها، وصديقًا يعرف متى
يتقدّم ومتى يترك لها المساحة. كانت التفاصيل الصغيرة هي اللغة الحقيقية للعلاقة:
سؤال في وقتٍ منهك، حضور صادق حين يغيب الجميع، اهتمام لا ينتظر مكافأة.
كانت تحبه، لكن
حبها لم يكن اندفاعًا أعمى، بل وعيًا يتشكّل. أحبّته بإنسانيته الناقصة، لأن
الكمال لا يُحب، بل يُخشى. رأت فيه ضعفًا يشبه ضعفها، فشعرت أن المشاركة ممكنة،
وأن الأمان لا يأتي من القوة المطلقة، بل من القابلية للانكسار دون خوف.
في الفرح، كان
شريكًا لا متفرجًا، وفي الحزن كان صمته أبلغ من أي عزاء. لم يكن سندًا لأنه أقوى،
بل لأنه اختار البقاء. ومع الوقت أدركت أن الحب لا يكبر لأن الأيام جميلة، بل لأنه
يصمد حين تفقد الأيام جمالها.
كبر حبها له عبر
الخلاف، لا رغمَه. تعلّمت أن الاختلاف ليس تهديدًا، بل دليل حياة، وأن التفاهم ليس
تطابقًا، بل اعترافًا بحق الآخر في أن يكون مختلفًا دون أن يُلغى. هكذا تحوّل الحب
من شعور إلى مسؤولية، ومن رغبة إلى قرار.
لم يكن ما جمعها
به مجرد قصة عاطفية، بل رؤية مشتركة للحياة. أسلوب عيش، واختيار يتجدّد كل يوم رغم
التعب، ورغم الشك، ورغم الخوف من الفقد. كانت تحبه كما تُحب الأشياء التي نعرف
أنها قابلة للزوال، ومع ذلك نتمسّك بها، لا لأنها مضمونة، بل لأنها حقيقية.
كانت تضحك على
نفسها أحيانًا، لا سخريةً منه بل من سذاجتها الجميلة. توهّمت أن صمته الدائم
امتلاء، وأن قلة كلماته احتواء، وأن حضوره الهادئ دليل حبٍ عميق لا يحتاج إلى
إعلان. فسّرت سكوته على أنه طمأنينة، وبروده على أنه اتزان، ورأت في غيابه عن
الشكوى علامة نُبل لا عجزًا عن البوح.
فهمت—أو هكذا
ظنّت—أنه أحبّها على طريقته، وأن هذا الحب كافٍ ليُبنى عليه العمر. اطمأنت إليه
كما يطمئن المرء إلى فكرة لا يُراجعها، وأسلمت له أيامها دون حساب، وهبته حياتها
كاملة، معتقدة أن الحب حين يكون هادئًا يكون أكثر صدقًا، ولم تدرك إلا لاحقًا أن
بعض الصمت لا يُخفي حبًا، بل يُخفي فراغًا لا يُرى إلا بعد فوات الأوان.
وتزوّجا.
ببساطةٍ لا تشبه
أحلام الفتيات، ولا تشبه ما كانت تتخيّله لنفسها يومًا. تنازلت عن كل ما تحلم به
أمثالها؛ عن العرس، عن الفستان، عن الحفل الذي يُعلن الفرح للعالم. تنازلت لا
قهرًا، بل حبًّا، وامتثالًا لعقائده المزعومة التي أقنعها بها، حين قال إن كل ذلك
محرّم، وإن الزهد أقرب إلى الله.
لم تُجادل. لم
تسأل. لم تحزن حتى.
قالت في سرّها:
يكفي أنني سأصير زوجته.
كان يكفيها أن
تحمل اسمه، أن تشاركه حياته، أن تكون إلى جواره مهما بدا الطريق مجرّدًا من
الزينة. أقنعت نفسها أن الحب لا يحتاج إلى مظاهر، وأن الفرح الحقيقي لا يُقاس
بالاحتفال، بل بالانتماء.
لم تدرك آنذاك
أنها كانت تتنازل عن أشياء أكبر من حفلٍ عابر؛ كانت تتنازل عن حقها في الفرح
المعلن، وعن صورتها التي حلمت بها يومًا، خطوةً خطوة، وهي تظنّ أن التضحية هي
اللغة الأعلى للحب، وأن الصمت عن الرغبة فضيلة، لا خسارة.
