لماذا يخشى الرقيب "مصنع السحاب"؟ قراءة في الرواية التي أربكت المؤسسة.
من "سقوط العالم الإسلامي" إلى "مصنع السحاب": هل الأدب هو الوجه الآخر للفلسفة؟
مصنع السحاب
كتب: حسام الحداد
في المشهد الأدبي المعاصر، قليل هي الأعمال التي تثير زوبعة تسبق وصولها إلى أيدي القراء، ورواية "مصنع السحاب" للكاتب حامد عبد الصمد هي أحد تلك الأعمال التي لم تكتفِ بكسر حاجز اللغة بصدورها بالألمانية أولاً (2011)، بل كسرت حواجز "التابوهات" الاجتماعية والدينية بجرأة وضعتها في مرمى نيران الرقابة والمنع مؤخراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
التيمة المركزية: ثنائية الحياة والموت
تتجاوز الرواية المفهوم التقليدي للموت بوصفه نهاية بيولوجية أو فناءً محضاً، لتقدمه كمرآة عاكسة لجوهر الحياة ومعناها. يتجلى الموت في نص حامد عبد الصمد كـ "معلم صامت" و"ضيف نادر" لا يزور الإنسان إلا مرة واحدة، ومن خلال هذه الندرة يكتسب الموت سلطته الروحية التي تزيح الستار عن الألغاز الوجودية التي غفلت عنها الشخصيات في زحمة العيش. فالموت هنا ليس عدواً، بل هو الأفق الذي يمنح التفاصيل اليومية قيمتها، حيث تدفع مواجهة المحتوم الأبطال إلى إعادة تقييم ماضيهم ومواجهة حقائقهم العارية دون تزييف، انطلاقاً من مقولة "سينيكا" بأن الحياة لا تتشبث بأحد، مما يجعل التخلي عنها بوعي نوعاً من أنواع السيادة على الذات.
وتتأسس الرواية على جدلية زمنية عميقة، لخصها الإهداء إلى "إرادة الحياة" واقتباس "كيركيجارد" حول ضرورة العيش للأمام والفهم للوراء. هذا التباين يخلق حالة من الصراع الدرامي داخل الشخصيات؛ فهي تعيش في حاضر يدفعه الأمل والإرادة نحو المستقبل، لكنها في الوقت ذاته مثقلة بحمولات الماضي التي تحتاج إلى تفكيك وفهم لاستيعاب مآلاتها الحالية. إن "إرادة الحياة" في "مصنع السحاب" ليست مجرد غريزة للبقاء، بل هي فعل مقاومة شعوري ضد العدم، ومحاولة لترميم الشروخ النفسية التي خلفتها سنوات اليتم والوحدة والخطايا القديمة، مما يجعل من فعل "الفهم المتأخر" وسيلة للتحرر النفسي قبل الرحيل النهائي.
ويعد العنوان "مصنع السحاب" استعارة كبرى تعكس طبيعة الوجود الإنساني الهش والمتحول. فالسحاب، في جوهره، كيان يتشكل من تكاثف عابر، يملأ الأفق بحضور طاغٍ ثم يتلاشى دون ترك أثر مادي، وهو ما يرمز بدقة إلى دورة حياة الأماني والمشاعر والذكريات داخل الرواية. "المصنع" هنا يشير إلى العمل المستمر للقدر أو النفس البشرية في إنتاج هذه الحالات الضبابية؛ حيث تلتقي الشخصيات وتتفاعل في فضاء يشبه السحاب في عدم ثباته. ترمز هذه التيمة إلى أن الوجود، رغم كثافته العاطفية وأوجاعه، قد لا يكون في النهاية سوى تشكلات عابرة في سماء الزمن، مما يعزز فكرة "اللاشيء" والتحول المستمر الذي يحكم مصائر البشر.
تحليل الشخصيات الرئيسية
تعد "هاناكو" النموذج الأبرز للصراع النفسي المركب؛ فهي لا تعاني فقط من يتم الجذور، بل من "يتم الجسد" أيضاً. يمثل وزنها الزائد عائقاً مادياً ونفسياً عزز لديها الشعور بالنبذ منذ طفولتها في دار الأيتام، مما جعلها لقمة سائغة لأي اهتمام عاطفي. تتحول هاناكو من كائن يبحث عن الخلاص الروحي كراهبة، إلى ضحية لصراع داخلي بين حاجتها الفطرية للحب وقيمها الدينية. استسلامها لـ "يوشيدا" لم يكن مجرد ضعف، بل كان ثمناً باهظاً دفعته مقابل لحظة اعتزاز بالنفس منحها إياها "المنقذ"، مما جعل شخصيتها تجسيداً للتصادم بين قدسية الروح وهشاشة الاحتياج البشري تحت وطأة الحرمان.
القسيس يوشيدا: ازدواجية السلطة الروحية والضعف الإنساني يمثل القسيس "يوشيدا" الشخصية الأكثر إشكالية في الرواية، حيث يجسد التناقض الصارخ بين الوقار الديني والنزوات البشرية. هو يمتلك "سلطة الكلمة" التي داوى بها جراح هاناكو (بقوله: كلنا يتامى)، لكنه استخدم هذه السلطة ذاتها كجسر للعبور نحو استغلالها جسدياً. يوشيدا ليس شريراً مطلقاً بالمعنى التقليدي، بل هو إنسان "مركب" سقط في فخ تأليه الذات أو الضعف أمام "سلطة الجسد"، مما يجعله رمزاً للمؤسسة التي تقدم الخلاص بيد، وتمارس القهر أو الاستغلال باليد الأخرى، وهو ما يعمق من مأساة الشخصيات التي وثقت في طهارته المطلقة.
إتسوهايرو ونوامي: جدلية البقاء في فضاء "المصنع" الصارم في الخط الدرامي الموازي، يبرز "إتسوهايرو" و"نوامي" كأدوات حية لاستكشاف مفهوم الحرية داخل بيئة محكومة بقوانين صارمة تقترب من الميكانيكية في "المجمع". بينما تمثل هاناكو ويوشيدا صراع "الذنب والغفران"، يمثل هذا الثنائي صراع "الوجود والعدم". يواجهان الموت المحتوم ليس بالاستسلام، بل بالبحث المستمر عن "مخرج" أو "معنى" وسط حالة الاحتضار الجماعي التي يشهدها المكان. علاقتهما تعمل كمرآة تعكس كيف يمكن للإنسان أن يخلق عالمه الخاص الصغير وقيمه الشخصية حتى عندما يكون محاصراً بأسوار "المصنع" التي تحاول تدجين الأرواح وتحويلها إلى مجرد أرقام في قائمة الانتظار الطويلة للموت.
البنية السردية والأسلوب
تتحرك الرواية وفق بنية زمنية غير خطية، حيث يبرز التنقل السلس بين حاضر الشخصيات في اليابان عام 2022 وماضيها الممتد إلى عام 1992. هذا "التبادل الزمني" ليس مجرد تقنية فنية، بل هو ضرورة درامية لتفكيك الغموض المحيط بدوافع الأبطال؛ فالحاضر في الرواية هو "نتيجة" محتومة لقرارات اتُخذت قبل ثلاثة عقود. ومن خلال تقنية الاسترجاع، يربط حامد عبد الصمد بين مصائر الشخصيات المتباعدة، موضحاً كيف أن جروح الماضي واللحظات الفاصلة في الشباب هي التي شكلت ملامحهم الحالية، مما يجعل القارئ يدرك أن الشخصيات لا تعيش حاضرها بقدر ما تحاول التصالح مع ماضيها أو التحرر منه.
يسم المبدع حامد عبد الصمد نصه بلغة تتسم بالعمق الفلسفي والصبغة التأملية، محولاً السرد من مجرد حكاية أحداث إلى رحلة في ماهية الوجود. تبرز الاقتباسات الفلسفية لقاموس "سينيكا" حول زهد الحياة، و"كيركيجارد" حول ضرورة فهم الحياة بالنظر للوراء، كركائز فكرية تدعم البناء الدرامي وتمنح صراعات الشخصيات أبعاداً كونية. هذه اللغة الفلسفية لا تبدو مقحمة، بل تظهر كحوار داخلي مستمر للشخصيات وهي تواجه أسئلة الموت والذنب، مما يضفي على الرواية طابعاً "ديالوغياً" بين النص الأدبي والحكمة الإنسانية الخالدة.
يلعب المكان في الرواية دوراً يتجاوز كونه مسرحاً للأحداث، ليتحول إلى "مختبر أخلاقي" يضع البشر تحت ضغوط استثنائية. فالدير المنعزل على حافة الجبل يمثل مكاناً للصفاء الروحي الظاهري الذي يخفي خلفه صراعات الجسد والسر، بينما يمثل "المجمع" أو "المصنع" مكاناً تسوده القوانين الصارمة والآلية، حيث يتجرد الإنسان من خصوصيته ليصبح جزءاً من منظومة الاحتضار. كلاهما (الدير والمصنع) يمثلان أدوات للعزل المادي والنفسي، حيث يتم اختبار القيم الإنسانية كالصدق، الحب، والكرامة في بيئة مغلقة تجبر الشخصيات على مواجهة ذواتها العارية بعيداً عن صخب العالم الخارجي.
الرموز والدلالات
يبرز "الصليب الماسي" في الرواية كرمز مكثف للازدواجية التي صبغت حياة هاناكو؛ فهو ليس مجرد قطعة حلي، بل هو تجسيد للتقاطع المربك بين السمو الروحي المزعوم والرفاهية المادية التي أحاطت بعلاقتها مع يوشيدا. يثير هذا الرمز في نفسها مزيجاً من "الغبطة" بكونها كانت مرئية ومحبوبة يوماً ما، و"الحزن" المرير لأن هذا الحب كان مغلفاً بالخطيئة والاستغلال، مما يجعله رمزاً لإيمان مشوه بالقيم المادية. وفي المقابل، تظهر "الحقيبة البنية" كرمز نقي للامتداد الإنساني والأمل العابر للطبقات؛ فهي الإرث الحقيقي الذي نقلته الطباخة "هوشي" لهاناكو. هذه الحقيبة بما تحمله من وصية ("إياك أن تتوقفي عن الحلم") تمثل الرابط الوجداني بين المهمشين، حيث تتحول الأشياء البسيطة إلى تمائم تمنح القوة لمواجهة قسوة العالم وتؤكد أن الأثر الإنساني لا يكمن في قيمته المادية بل في الشحنة العاطفية التي يورثها من جيل إلى آخر.
يشكل "السحاب والضباب" الفضاء الرمزي الأكبر في الرواية، حيث يتجاوزان كونهما ظواهر طبيعية ليصبحا تعبيراً عن "حالة اللاشيء" وغياب اليقين الذي يلف مصائر الشخصيات. يمثل السحاب تلك التشكيلات الهشة التي تشبه الأماني البشرية؛ تتجمع بكثافة ثم تتلاشى في لحظة، محاكيةً طبيعة الوجود الإنساني في "المجمع". أما الضباب فيعمل كفاصل غائم بين مستويات الوعي واللاوعي، وبين عالم الأحياء وعالم الراحلين. إن استدعاء هذه الرموز يكرس فكرة أن الحقيقة في "مصنع السحاب" ليست صلبة أو نهائية، بل هي حالة ضبابية تفرض على الإنسان أن يتعلم السير في العتمة، مدركاً أن الفاصل بين الحياة والموت قد يكون برقة غيمة عابرة، مما يعزز الفلسفة الوجودية للنص التي ترى في التحول الدائم القيمة الوحيدة الثابتة.
الرسالة الفلسفية
تتجسد الرسالة الجوهرية للرواية في مقولة سينيكا "إن الحياة لا تتشبث بأحد"، وهي دعوة فلسفية عميقة لإعادة تعريف علاقة الإنسان بالوجود وبالأشياء من حوله. يطرح حامد عبد الصمد من خلال مصائر شخوصه فكرة أن المعاناة البشرية تنبع أساساً من "التشبث"؛ التشبث بالماضي، بالصور الذهنية عن الذات، أو بالأشخاص الذين رحلوا. وعندما يدرك الإنسان أنه مجرد "زائر نادر" في هذا الكون، يبدأ بالتحرر من قيود الملكية والخوف من الفقد. هذا الإدراك ليس دعوة لليأس، بل هو قمة "إرادة الحياة"؛ حيث يمنح الإنسان القدرة على امتلاك زمام رحيله النفسي والمادي، ويجعله يواجه أقدار الصراع والمرض والوحدة برباطة جأش، مدركاً أن القيمة الحقيقية للوجود تكمن في القدرة على "الترك" بقدر ما تكمن في "الأخذ".
تنتقل الرواية بالرسالة الفلسفية من حيز العدمية إلى رحاب الإنسانية، حيث تجعل من الموت "الحقيقة الباقية الأبدية" التي تمنح الزمن المحدود للإنسان معناه وقيمته. فلو كانت الحياة أبدية، لفقدت اللحظات جودتها واندفعت نحو الرتابة، لكن وعي الشخصيات باقتراب النهاية في "المجمع" أو "المصنع" يحول "الحب مع العابرين" إلى فعل مقدس وتعويض جوهري عن يتم الوجود. إنها دعوة لمشاركة المودة دون انتظار استمرارية، والاحتفاء باللقاءات العابرة بوصفها الومضات الوحيدة الحقيقية في سماء "مصنع السحاب". هكذا يصبح الموت في الرواية بمثابة "الضابط الإيقاعي" الذي يذكرنا بأن نعيش بصدق، وأن نحب بعمق، وأن نرحل بخفة، محولين فكرة الفناء من رعب وجودي إلى فلسفة للتحرر والسمو.
المنع.. قبلة الحياة للأفكار
إن قرار سحب رواية "مصنع السحاب" من معرض القاهرة الدولي للكتاب يعكس إصراراً على ممارسة "وصاية" فكرية تآكلت شرعيتها في ظل الفضاءات المفتوحة. فنحن اليوم لا نعيش في عصر "المنع"، بل في عصر "التدفق"؛ حيث لم تعد الجدران والحدود قادرة على حجب الكلمات. إن محاولة خنق نص أدبي في تظاهرة ورقية لم تكن سوى شرارة أطلقت سراحه في الفضاء الرقمي، حيث تحولت الرقابة من أداة للحظر إلى "وكيل إعلاني" مجاني ومن الطراز الرفيع، مبرهنةً على أن عقلية الحجب باتت أداة عاجزة أمام تكنولوجيا المعلومات التي تجعل من كل قارئ "منصة نشر" محتملة.
تاريخياً، كان المنع دائماً هو "قبلة الحياة" للأعمال المثيرة للجدل، وما حدث مع حامد عبد الصمد هو تجسيد حي لما يُعرف بـ "تأثير سترايسند"؛ حيث تؤدي محاولة إخفاء معلومة أو منع كتاب إلى لفت الأنظار إليه بشكل جنوني. لقد منح المنع رواية "مصنع السحاب" أجنحة مكنتها من التحليق بعيداً عن أروقة المعرض، محولةً الفضول المعرفي لدى القراء، ولا سيما الشباب، إلى طاقة بحث دؤوبة. وبدلاً من أن تُناقش الرواية في دوائر أدبية مغلقة، تصدرت قوائم البحث "التريند" ومنصات التحميل الإلكتروني، مما أثبت أن القمع لا يقتل السؤال، بل يمنحه قدسية وجاذبية تضاعف من تأثيره.
تؤكد واقعة منع "مصنع السحاب" حقيقة جوهرية: الفكرة لا تموت بالمصادرة، بل بالحوار، والنقد، والمواجهة الفكرية. إن سحب الكتاب يغذي الشعور بـ "المظلومية الفكرية" ويحول الكاتب إلى "أيقونة" للتمرد، بينما كان الأجدى فتح منصات للنقاش تفكك أطروحات الرواية وتواجهها بالحجة الأدبية والمنطق الثقافي. إن المجتمعات الواثقة لا تخشى الكتب، بل تخشى غياب الوعي النقدي؛ فالمنع هو اعتراف ضمني بضعف البديل الثقافي، بينما يبقى الحوار هو الطريق الوحيد لتحصين المجتمع، لا عبر إغلاق العقول، بل عبر تدريبها على الفرز والمقارنة والاختيار الحر.
الكلمات المفتاحية: