قراءة جديدة في معنى "واضربوهن"
صوفية
كتب: صوفية
لطالما أثارت الآية الكريمة:
{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]
جدلاً واسعًا في الأوساط الفكرية والشرعية والاجتماعيه.. إذ تم تفسير لفظ "واضربوهن" تقليديًا على أنه إباحة للضرب الجسدي للزوجة في حال نشوزها، رغم أن هذا الفهم يتعارض بوضوح مع جوهر الرسالة الإسلامية، وقيم الرحمة، وسيرة النبي عليه السلام
فهل الضرب فعلاً مشروع في الإسلام؟
وهل المقصود به الضرب الجسدي؟
أم أن الكلمة أُسيء فهمها وتأويلها تبعًا لثقافةٍ قبليةٍ لا تزال تطغى على معظم التفسيرات الدينية؟
ضربٌ لتأديب المرأة؟!
في محاولة لتبرير الضرب، خرج بعض الدعاة، ومنهم الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بتصريحات تقول إن "الضرب ليس إذلالًا، بل تأديبًا لكسر كبرياء المرأة حفاظًا على الأسرة".
وقبله صرّح الشيخ محمد العريفي بأن "المرأة كالبَهيمة، وصلاحها في ضربها"، وهي تشبيهات صادمة تكشف عن جذور ثقافية لا تمت للرحمة الالهيه بصلة..اودت بالكثيرات الى اختيار الالحاد ملجأ عقلي لتنافي تعاليم الاسلام مع المنطق والرحمه خاصة فيما يخص قضاياالنساء..
ف هؤلاء الشيوخ وغيرهم، تجاهلوا حقيقة اجتماعية باتت واضحة: المرأة اليوم لم تعد تقبل أن تُهان باسم "الضرب غير المبرح"، وكم من بيتٍ تهدّم، وأسرةٍ تفكّكت، بسبب التفسيرات الذكورية .. التي لا تراعي تطورات الزمان والمكان، ولا تغير العلاقات الاجتماعية.
ماذا تعني "واضربوهن" ؟
لفظة "ضرب" في القرآن الكريم واللغة العربية القديمة لا تعني الإيذاء الجسدي، بل لها معانٍ عديدة، منها:
الابتعاد، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} أي سافرتم.
الترك أو المفارقة، كما في قوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}.
العزل أو الإضراب، كما في قوله: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ}.
وهنا، يتبين أن "واضربوهن" تعني "اهجروهن هجراً كاملاً"، أي مفارقة الزوجة وترك بيت الزوجية، كما فعل النبي عندما هجر زوجاته لمدة شهر دون أن يمسّ إحداهن بسوء، في حادثة شهيرة..
و يقول قائل: ولكن الهجر ذُكر قبل الضرب في الآية، فكيف يكون معناهما واحدًا؟
الجواب: أن الهجر الأول (في المضاجع) هو هجر جزئي – أي الانفصال داخل البيت دون الخروج منه، أما "الضرب" من الاضراب
اي الهجر الكامل والمفاصلة التامة، التي قد تصل إلى الانفصال المؤقت أو الطلاق إن لزم الأمر.
كيف كان التطبيق النبوي؟
والسيرة النبوية خير شاهد على أن النبي عليه السلام لم يضرب امرأة قط. بل إنه منع أبا بكر وعمر من ضرب عائشة وحفصة، حين غضبتا عليه، رغم مكانتهما عنده.
بل حتى في حادثة الإفك، حين اتُّهمت السيدة عائشة زورًا، لم يغضب منها، ولم يوبخها، بل ترك الحكم لله، وبقي بعيدًا عنها فترةً حتى أنزل الله براءتها.
أما الحديث الشهير لمن يحب ان يأخذ بالمرويات..
"لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها آخر الليل"،
فيه إنكار واضح لاستخدام الضرب كوسيلة للتأديب الزوجي.
بل ذهب النبي إلى أبعد من ذلك، حين قال لامرأة جاءت تشتكي من زوجها الذي ضربها:
قال لها
"كما ضربك، اضربيه"، في موقف يعبّر عن عدالة وإنصاف غير معهودَين في ذلك الزمن.
لماذا التفسير العنيف؟
تكمن المشكلة في هيمنة التفسيرات التراثية الموروثة عن بيئة بدوية، كانت ترى المرأة كائنًا ناقص العقل والدين، وأن تأديبها لا يكون إلا بالعصا.
وقد وصفها بعض الفقهاء قديمًا بأنها كالدابة، وصلاحها في الضرب، واستندوا إلى عرفٍ قبليّ لا إلى نص قرآني ولا إلى سُنّة نبوية.
ولم يسأل أحد: لماذا لم يُفصّل القرآن في نوع الضرب كما فصّل في أحكام الطهارة والطلاق والميراث؟
الجواب البسيط: لأن الضرب المقصود لم يكن جسديًا من الأصل.
العودة إلى الأصول
القرآن لم يُنزَل لزمانٍ واحد ولا لقومٍ بعينهم. وقد دعا مرارًا إلى استخدام العقل:
{أفلا يعقلون؟}، {أفلا يتدبرون القرآن؟}، {لقوم يعقلون}...
وإن العقل المسلم اليوم مدعوّ لإعادة قراءة النص، لا بهدف الانقلاب على ثوابته، بل لفهم روحه الحقيقية التي قامت على الرحمة، والمودة، والعدل.
قال تعالى:
{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228]
وقال النبي:
"استوصوا بالنساء خيرًا"
"النساء شقائق الرجال"
فأين هذه القيم من ضربٍ لا يُورث إلا كراهية وذلًا وانكسارًا؟
بل هدما وخرابا للبيوت..
إن القول بأن الإسلام أباح ضرب المرأة – ولو "غير المبرح" – هو إساءة بالغة إلى الرسالة المحمدية،بل للاله نفسه..
هوفقط تكريس لعادات جاهلية لا تمت للدين بصلة..كما كرست اشياء اخرى تخص الملبس والمأكل وغيرهم..
إنّ فهم "واضربوهن" على أنه هجرٌ ومفارقة، لا ضربٌ وإهانة، هو الأقرب للنص القرآني، وللفطرة الإنسانية السليمة.
ميثاقٌ غليظ، وشراكة قائمة على الرحمة والسكن والمودة، لا على العصا والسوط والتهديد.
الكلمات المفتاحية: