رئيس التحرير
فاروق بدير
مدير تحرير
حسام البحيري

logo

رئيس مجلس الإدارة: حسام الحداد رئيس التحرير: فاروق بدير مدير تحرير: حسام البحيري

أهم الأنباء

أخبار العالم 2026-06-16 08:24:22

حسام الحداد يكتب| داعش-الصومال: الفرع الذي يُقلق واشنطن أكثر من سوريا والعراق

مولدة بالـ ai

كتب: حسام الحداد

كيف تحوّل تنظيم هامشي في أقصى القرن الأفريقي إلى العقل اللوجستي والمالي للشبكة الجهادية العالمية؟ 

في أبريل 2026، وأمام طاولة مستديرة جمعت نخبة من محللي مكافحة الإرهاب الأمريكيين في مؤتمر Homeland Security Today السنوي، جاءت الجملة التي أسكتت القاعة: "التهديد الأعلى احتمالاً لضرب الأراضي الأمريكية اليوم لا يصدر عن أفغانستان، ولا عن سوريا، ولا عن العراق. إنه يصدر عن منطقة بونتلاند في أقصى شمال الصومال."

لم يكن المتحدثون يصفون تهديداً نظرياً أو سيناريو أكاديمياً مُفترضاً. كانوا يُحذّرون من تنظيم داعش-الصومال، الفرع الذي ظلّ لسنوات يُعدّ الحلقة الأضعف في سلسلة الفروع الجهادية، قبل أن يُعيد تموضعه بصمت وحذر ليُصبح في تقديرات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية المحرّك الرئيسي للشبكة اللوجستية والتمويلية لتنظيم داعش على المستوى العالمي.

مكتبة مجلس العموم البريطاني أكّدت هذا التقييم في يونيو 2026، مُشيرةً إلى أن زعيم التنظيم الصومالي، عبد القادر مومن، بات شخصيةً محوريةً في البنية القيادية العالمية للتنظيم، وليس مجرد أمير إقليمي على هامش الخريطة الجهادية.

أولاً: نشأة الفرع ومسار صعوده

تأسّس فرع تنظيم داعش في الصومال عام 2015 حين انشق عبد القادر مومن، الداعية البريطاني-الصومالي المولود في مدينة بورما البريطانية، عن حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، مُعلناً بيعته لأبو بكر البغدادي. كان الانشقاق في بادئ الأمر رمزياً أكثر منه فعلياً: مجموعة صغيرة من المقاتلين في الأرياف الجبلية لمنطقة بونتلاند شمال الصومال، بلا قاعدة شعبية واسعة، وبلا موارد تُذكر.

لكن التحوّل الاستراتيجي جاء من اتجاه لم يتوقعه كثيرون: بدلاً من التنافس المباشر مع حركة الشباب على الأرض والسكان، ركّز مومن على بناء شبكة تمويل ولوجستيات متقنة، مستغلاً موقع بونتلاند الجغرافي كنقطة عبور بحرية بين خليج عدن والمحيط الهندي.

الأطراف والمشهد الأمني

حركة الشباب: المنافس الرئيسي والأقوى عسكرياً، ترفض داعش-الصومال أيديولوجياً وتصطدم معها ميدانياً، غير أن هذا التنافس أسهم في إرغام الفرعَي داعشي والقاعدي على التمايز واحتلال نيشات استراتيجية مختلفة بدلاً من التطابق.

الحكومة الفيدرالية الصومالية: تخوض معركة وجودية متعددة الجبهات، وتعاني من هشاشة مؤسسية عميقة تُعيق قدرتها على التصدي لتهديد يعمل بعيداً عن المناطق التي تسيطر عليها جغرافياً.

الولايات المتحدة والشركاء الغربيون: تواصل واشنطن عمليات الضربات الجوية المحدودة، لكن الاهتمام الاستراتيجي بالملف الصومالي ظل أقل من متطلبات المشهد الأمني الفعلي، وهو ما يُثير قلق المحللين.

 

ثانياً: ما لا تقوله التقارير الرسمية

الفهم الاعتيادي لقوة التنظيمات الجهادية يربطها بمعادلة الأرض والسكان: كلما اتسعت الرقعة الجغرافية الخاضعة لسيطرة التنظيم، كلما اعتُبر أشد خطراً. لكن داعش-الصومال يكسر هذه المعادلة بطريقة يجدر بصانعي السياسات الأمنية الانتباه إليها بعمق.

يكشف تقرير مركز Crisis Group الصادر عام 2024 أن الفرع الصومالي وإن ظلّ أصغر حجماً من حركة الشباب في عدد مقاتليه ونطاق سيطرته الجغرافية، فإنه أضحى "جزءاً محورياً من الشبكة الجهادية العالمية"، وتحديداً بفضل دوره بوصفه مركزاً للتمويل والخدمات اللوجستية. بعبارة أخرى: ما فشل فيه مقاتلو التنظيم أرضاً، عوّضه مُخطِّطوه بحراً ومالاً وبيانات.

"داعش-الصومال لا يحتاج إلى السيطرة على مدينة أو إقليم ليكون خطيراً. يكفيه أن يتحكم في خط تمويل أو شبكة نقل لتصبح له بصمة عملياتية تتجاوز حدود الصومال."

باحث في مؤشر الإرهاب العالمي (GTI)، استناداً إلى تقديرات 2025

الزاوية المخفية: بونتلاند كبنية تحتية استراتيجية

ما لا يظهر بوضوح في التغطية الإعلامية هو الأهمية الاستراتيجية الفائقة لمنطقة بونتلاند بمعزل عن قدرات التنظيم الذاتية. تتمتع هذه المنطقة شبه المستقلة بساحل بحري يمتد على خليج عدن والمحيط الهندي معاً، وبتاريخ طويل من الاقتصاد غير الرسمي والقرصنة البحرية الذي أفرز شبكات إرسال وتلقٍّ غير خاضعة للرقابة الدولية. فضلاً عن ذلك، تفتقر الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى حضور فعلي يُذكر فيها.

هذه البيئة منحت داعش-الصومال ما لم يستطع أي فرع آخر بناؤه بسهولة: قاعدة عمليات شبه آمنة على تقاطع الممرات البحرية الدولية، مع قدر من الحياد الجغرافي يجعل ضربها العسكري مُكلفاً سياسياً في ظل هشاشة السيادة الصومالية.

الرقم الذي أذهل واشنطن

في تقييمات الاستخبارات الأمريكية لعام 2025 التي استندت إليها تقارير Homeland Security Today، برزت خلاصة غير مسبوقة في صراحتها: داعش-الصومال يمتلك "قدرة أعلى نسبياً من غيره من الفروع على تنفيذ عمليات خارجية ضد الأراضي الغربية"، مستنداً إلى ثلاثة عوامل تتضافر: شبكة تمويل متطورة، وجوازات سفر متعددة الجنسيات بين أعضائه الذين يتقلبون بين الصومال وأوروبا، وزعامة ذات صلات بالمشهد الجهادي الغربي من خلال مومن نفسه.

ثلاثة مشارب وقراءة واحدة للخطر

واشنطن وما تقوله علناً: تُقرّ الإدارة الأمريكية بخطورة داعش-الصومال في وثائق الاستراتيجية الأمنية، لكنها تُحجم عن التصريح بأولويته القصوى تفادياً لما قد يُفسَّر بوصفه اعترافاً بإخفاق في بيئة شحيحة الاهتمام السياسي.

لندن والتحذير البرلماني: أكثر تصريحاً وصراحة، تحرص مكتبة مجلس العموم في تقاريرها على توثيق صعود الفرع الصومالي بعبارات لا تحتمل التأويل، في مؤشر على اتساع دائرة القلق بين حلفاء واشنطن الأوروبيين.

مقديشو وصعوبة الموقف: تجد الحكومة الصومالية نفسها في مأزق مزدوج: فالاعتراف العلني بأن أراضيها تحتضن مركزاً جهادياً عالمياً يُقوّض شرعيتها، في حين أن إنكار ذلك يُعرّضها لانتقادات الشركاء الدوليين ويُجفّف منابع الدعم.

 

ثالثاً: ما الذي ينتظرنا؟

على المدى القصير: سباق بين الاستخبارات والتمدد

الخطر المباشر ليس بالضرورة هجوماً مسلحاً كبيراً على غرار أحداث سبتمبر 2001. ما يُقلق المحللين أكثر هو التطور التدريجي في قدرات الفرع الصومالي على التخطيط لعمليات "ناعمة" أو "مُلهَمة" في الغرب، مستغلاً شبكات الجالية الصومالية المنتشرة في أوروبا وأمريكا الشمالية، والتي تتضمن في كنفها عناصر ذات وثائق قانونية وإمكانية دخول مشروعة.

في المقابل، تشهد البنية الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية تصعيداً ملموساً في رصد هذا الفرع تحديداً، مع تعزيز بروتوكولات التنسيق مع نظيراتها الأوروبية حول الأفراد ذوي الصلات بالتنظيم الصومالي.

على المدى البعيد: الهشاشة الصومالية كعامل بنيوي

الأزمة العميقة هي أن الحل الجذري لمعضلة داعش-الصومال يمرّ حتماً عبر تعزيز الدولة الصومالية، وهو هدف شاق في بلد ينزّ من جراحه المؤسسية منذ انهيار الدولة المركزية عام 1991. وما لم تُعالَج الهشاشة البنيوية لبونتلاند تحديداً، فستظل البيئة الجاذبة للتنظيم قائمة بصرف النظر عن تبدّل القيادات أو تراجع أعداد المقاتلين.

ويُحذّر المجلس الأطلسي من سيناريو مُقلق: إذا استمر تحويل الاهتمام الأمريكي نحو التنافس مع القوى الكبرى على حساب أولويات مكافحة الإرهاب في أفريقيا، فإن داعش-الصومال سيجد أمامه فرصة استثنائية لتوسيع شبكاته في ظل انخفاض الضغط الأمني الخارجي عليه.

"لا يمكنك هزيمة تنظيم يعمل كمصرف ومركز شحن في آنٍ واحد بمجرد ضرباتٍ جوية على معسكرات التدريب. أنت تحتاج إلى قطع شرايين المال والحركة، وهذا يستلزم تعاوناً دولياً لا تُشير المعطيات الراهنة إلى وجوده بالمستوى المطلوب."

محلل في مركز سوفان (The Soufan Center)، يناير 2026

 

خريطة التهديد تُعاد رسمها

ما تكشفه المعطيات المتراكمة حول داعش-الصومال هو درس جوهري في طبيعة الإرهاب في عصره الثالث: التهديد لم يعد يُقاس بمساحة الأرض المحتلة أو عدد الأعلام المرفوعة فوق المدن. إنه يُقاس بالقدرة على تأمين التمويل، وتحريك الأفراد، وإدارة الشبكات عبر قارات متعددة من موقع لا يجذب عادةً عدسات الكاميرات ولا اهتمام صانعي القرار.

ارتقاء فرع صومالي صغير ليُصبح عصب البنية اللوجستية لتنظيم عالمي لا يُمثّل انتصاراً تكتيكياً لجماعة مسلحة بقدر ما يُمثّل كشفاً صادماً لثغرات منهجية في بنية الاستجابة الأمنية الدولية.

والسؤال الذي يبقى معلقاً في أذهان المحللين والمشرّعين على حدٍّ سواء: إذا كان فرع يعمل من أقصى القرن الأفريقي قادراً على أن يُصبح التهديد الأول للأراضي الأمريكية دون أن يستقطب استجابة دولية متكافئة مع حجم الخطر، فأيّ الفروع القادمة سيفاجئنا في المكان الذي لم نكن نُمعن النظر فيه؟

نقلا عن البوابة نيوز

الكلمات المفتاحية:


الاكثر قراءة

تخفيض اجرة السوزوكي في مدينة الشروق .. تعرف على السعر الجديد تشغيل خطوط سير داخلية جديدة في مدينة الشروق "بتوقيت ماما" حملة أطلقها طلاب بإعلام القاهرة للتوعية بمراحل الحمل مسلسل سيد الناس بطولة عمرو سعد في رمضان ٢٠٢٥

رٱي

محمد دوير يكتب: ما هو سؤال اللحظة الراهنة يا حضرات ؟ قراءة جديدة في معنى "واضربوهن" حسام الحداد يكتب: من "حزب الأمة" إلى عباءة السلفية.. تراجع الهوية العلمانية لحزب الوفد حاكموا المسئولين بالأزهر