رئيس التحرير
فاروق بدير
مدير تحرير
حسام البحيري

logo

رئيس مجلس الإدارة: چون طلعت رئيس التحرير: فاروق بدير مدير تحرير: حسام البحيري

أهم الأنباء

حوادث 2026-02-09 23:08:31

التحرش بفتاة أتوبيس المعادي: صرخة في وجه صمت المجتمع

فتاة المعادي

كتب: حسام الحداد

في 8 فبراير 2026، انتشر فيديو يوثق صرخة فتاة داخل أتوبيس نقل عام في منطقة المعادي (بداية من المقطم عند سلم البارون)، ليحول واقعة فردية إلى قضية رأي عام. الفتاة مريم شوقي (28 عاماً، موظفة وممثلة مسرح درست في الجامعة الكندية) وثقت تعرضها للتحرش اللفظي والجسدي من شاب تتبعها، حاول لمسها ومنعها من التصوير، بل وخطط للاعتداء عليها مع آخرين حسب روايتها. الفيديو أظهر صمت بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب، ورد المتحرش المزعوم بضحك وتلميح إلى ملابسها. في اليوم التالي (9 فبراير)، أعلنت وزارة الداخلية القبض على المتهم (عامل من الدقهلية يدعى أسامة محمد)، الذي نفى الاتهامات تماماً وادعى أن الركاب والكمسري شهدوا بعدم اقترابه منها.

هذه الواقعة ليست مجرد حدث عابر، بل مرآة تعكس أزمة عميقة في المجتمع المصري: انتشار التحرش في المواصلات العامة، صمت الشهود، وثقافة "اللوم على الضحية".

 

روايتان متضاربتان وجدل الشهود

روت مريم أن الشاب تتبعها لأيام، غير مساراته لملاحقتها، وفي الأتوبيس حاول الاعتداء وسرقة حقيبتها، ومنعها من التصوير. سمعت مكالمة هاتفية تخطط للاعتداء عليها عند مترو المعادي. أكدت أنها تعرضت سابقاً لإيذاء لفظي وجسدي منه، وأن الحادث ترك أثراً نفسياً عميقاً دفعها لترك عملها مؤقتاً خوفاً من التشويه أو التكرار.

أما المتهم فأصر على براءته، قائلاً إنه كان يقف على مسافة متر ونصف، وأنها فاجأته باتهامات كاذبة بالتحرش والسرقة (200 جنيه سابقاً). شهد الكمسري وبعض الركاب بعدم اقترابه منها. هذا التناقض يعكس صعوبة إثبات التحرش في أماكن مكتظة بدون دليل بصري واضح، رغم أن القانون يعاقب على الإيحاءات والأفعال الجنسية حتى لو لم تكن مصورة مباشرة.الأخطر كان رد فعل بعض الركاب: صمت أغلبهم، وهجوم على الفتاة باتهامها بـ"الكذب" أو "الملابس غير اللائقة". هذا يجسد "متلازمة الشهود السلبيين" (bystander effect) وثقافة victim blaming المتجذرة.

التحرش في مصر: ظاهرة بنيوية لا فردية

دراسة الأمم المتحدة الشهيرة عام 2013 أظهرت أن 99.3% من النساء المصريات تعرضن لشكل من أشكال التحرش في حياتهن، و86.5% لا يشعرن بالأمان في المواصلات العامة. رغم مرور أكثر من عقد، والتعديلات القانونية المتكررة (خاصة قانون 2014 وتعديلات 2021 و2023)، تظل الظاهرة مستشرية. المواصلات العامة — كونها مكاناً مكتظاً ويومياً — أصبحت بؤرة رئيسية للتحرش اللفظي والجسدي والسرقة المصاحبة أحياناً.القانون (المادة 306 مكرر أ وب من قانون العقوبات) يعاقب على التحرش بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين أو أكثر، ويشدد العقوبة في المواصلات العامة أو عند التتبع أو الجماعة إلى حبس يصل إلى 5 سنوات أو أكثر مع غرامات تصل إلى عشرات الآلاف. لكن التنفيذ يظل مشكلة: كثير من الحالات لا تصل إلى المحاكم بسبب الخوف من الفضيحة أو عدم الثقة في النظام.

 

النقد الاجتماعي والثقافي

أولاً، صمت الركاب يشكل تواطؤاً غير مباشر. بدلاً من التدخل أو الدعم، يفضل البعض "السلامة" أو يدافع عن "الراجل" تلقائياً. هذا يعكس تربية ذكورية ترى الرجل "بريئاً حتى يثبت العكس"، والمرأة "متهمة حتى تثبت براءتها".

ثانياً، لوم الضحية (victim blaming) واضح في تعليقات مثل "شايفيني عريانة؟" أو انتقاد الملابس. هذا الخطاب يحول الجاني إلى ضحية "استفزاز" ويعفيه من المسؤولية. التحرش ليس مرتبطاً بالملابس — كما أكدت مريم وتؤكد الدراسات — بل بثقافة السيطرة والإفلات من العقاب.

ثالثاً، دور وسائل التواصل مزدوج: ساعد في القبض السريع على المتهم عبر الضغط الإعلامي، لكنه أيضاً يشوه الضحية ويفتح الباب للتنمر والتشكيك. مريم خسرت وظيفتها مؤقتاً بسبب الخوف من "التشويه"، وهو نمط يتكرر يدفع النساء للصمت.

رابعاً، الاستجابة الأمنية سريعة هنا بفضل الانتشار الواسع، لكنها تثير تساؤلاً: هل كانت ستكون كذلك لو لم ينتشر الفيديو؟ كثير من الضحايا يواجهن بطئاً أو إهمالاً إذا لم يكن هناك "تريند".

 

نحو حلول جذرية

الواقعة تكشف فجوة بين التشريعات (التي تحسنت) والواقع الاجتماعي. الحلول يجب أن تكون متعددة:

توعية وتعليم من المدرسة: برامج تكافح ثقافة الذكورية السامة وتُعلم التدخل الآمن (bystander intervention).

تحسين المواصلات: كاميرات مراقبة، تدريب السائقين والكمسارية على التعامل مع الحالات، وخطوط نسائية أكثر أماناً.

دعم الضحايا: برامج نفسية وقانونية مجانية، وحماية من التشويه الإعلامي.

تفعيل القانون بصرامة، مع عقوبات رادعة وسرعة في التحقيقات دون الحاجة إلى "فيروس" على السوشيال.

 

في النهاية، صرخة مريم شوقي ليست مجرد صرخة فردية، بل صرخة ملايين النساء اللواتي يعشن الخوف اليومي في الشارع والأتوبيس. المجتمع الذي يصمت أو يلوم الضحية يشارك في الجريمة. التغيير الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف "الرجولة" كحماية للكرامة الإنسانية لا كسيطرة، وببناء نظام يجعل التحرش مكلفاً اجتماعياً وقانونياً. حتى ذلك الحين، ستظل كل فتاة في أتوبيس المعادي — أو أي أتوبيس — عرضة لأن تكون "الفتاة التالية". الأمل في أن تكون هذه الواقعة نقطة تحول، لا مجرد تريند ينتهي بانتهاء الضجيج.

 

 

 

 

الكلمات المفتاحية:


الاكثر قراءة

تخفيض اجرة السوزوكي في مدينة الشروق .. تعرف على السعر الجديد تشغيل خطوط سير داخلية جديدة في مدينة الشروق "بتوقيت ماما" حملة أطلقها طلاب بإعلام القاهرة للتوعية بمراحل الحمل مسلسل سيد الناس بطولة عمرو سعد في رمضان ٢٠٢٥

رٱي

لماذا يخشى الرقيب "مصنع السحاب"؟ قراءة في الرواية التي أربكت المؤسسة. شاهد// حسام الحداد يناقش الخطاب الديني من الجامع للفيسبوك شاهد// الشيخ محمد عبدالله يكشف المستور: من وهم البخاري لحقيقة حد الردة وقراءة في الذات الإلهية لماذا أرى الحرب الأهلية الأمريكية هي الاحتمال الأقرب؟