رئيس التحرير
فاروق بدير
مدير تحرير
حسام البحيري

logo

رئيس مجلس الإدارة: چون طلعت رئيس التحرير: فاروق بدير مدير تحرير: حسام البحيري

أهم الأنباء

دراسات 2026-02-11 18:35:57

هرمينوطيقا النص والواقع: فضل الرحمن ونظرية الحركة المزدوجة (1_3)

فضل الرحمن

كتب: حسام الحداد

يُمثّل المفكر الباكستاني فضل الرحمن (1919-1988) علامة فارقة في مسار الفكر الإسلامي الحديث، حيث تجاوزت أطروحاته مجرد الإصلاح الوعظي لتدخل في صلب التجديد المنهجي "الإبستمولوجي". ينطلق مشروع الرحمن من أزمة استعصاء الفكر

التقليدي عن مواكبة التحولات الكبرى للحدث الحداثي، معتبراً أن الخلل يكمن في تغليب "البيان الحرفي" للنص على حساب "المقصد الأخلاقي". لذا، سعى عبر مسيرته الأكاديمية بين جامعة البنجاب وأكسفورد وشيكاغو إلى صياغة بديل منهجي يفك الارتباط بين الجوهر الإلهي الخالد وبين التفسيرات التاريخية البشرية التي تأثرت بظروف زمنية ومكانية محددة.

 

مفهوم الحركة المزدوجة

تتجسد ذروة إبداعه الفكري في "نظرية الحركة المزدوجة"، وهي أداة تفسيرية (هرمينوطيقية) تهدف إلى إعادة قراءة الوحي كرسالة حية لا كمجموعة من الأحكام الجامدة. يجادل الرحمن بأن القرآن نزل ليعالج واقعاً بشرياً ملموساً، وأن فهمه يقتضي رحلة معرفية تبدأ من الحاضر إلى عمق الماضي لاستنباط القيم الكلية، ثم العودة مجدداً إلى الحاضر لتنزيل هذه القيم في قوالب تشريعية معاصرة. في هذا المقال، نستعرض أبعاد هذه النظرية وتجلياتها التطبيقية في قضايا شائكة كالربا، مع تحليل الجدل الواسع الذي أثارته في الأوساط الأكاديمية والدينية.1. الحركة الأولى: من الحاضر إلى الماضي

تُعد الحركة الأولى في منهجية فضل الرحمن هي المرحلة التأسيسية التي تهدف إلى تحويل النص من "مادة صماء" إلى "رسالة حية" عبر فهم أبعادها السياقية. تبدأ هذه المرحلة بالانتقال من واقعنا المعاصر للغوص في أعماق البيئة التاريخية التي تنزّل فيها الوحي، حيث يرى الرحمن أن القرآن لم ينزل في فراغ، بل كان استجابة إلهية لمشكلات اجتماعية، واقتصادية، وأخلاقية محددة واجهت المجتمع العربي آنذاك (Rahman, 1982, p. 5). ويتطلب هذا الأمر من المفسر ألا يكتفي بالوقوف عند "أسباب النزول" الجزئية والمحدودة بصيغتها التقليدية، بل يجب عليه تحليل "السياق الكلي" الذي يشمل البنية الفكرية والظروف المعيشية للمخاطبين الأوائل، لضمان استيعاب الدوافع الحقيقية وراء كل تشريع أو توجيه قرآني (Fazlur Rahman, 1966).

في الخطوة التالية من هذه الحركة، يسعى المفسر إلى عملية "تجريد" للنص، بحيث يتم استخلاص المبدأ الأخلاقي أو "العبرة الكلية" من الأحكام القانونية المحددة. يجادل فضل الرحمن بأن القوانين القرآنية (مثل أحكام المواريث أو العقوبات) كانت تطبيقاً لمبادئ العدالة في سياق تاريخي معين، وبالتالي فإن الهدف ليس تجميد الصياغة اللفظية للنص، بل القبض على "الروح الأخلاقية" الكامنة خلفه (Rahman, 1982, p. 8). هذه العملية تتيح للمفكر تمييز "المقاصد الدائمة" عن "الوسائل المتغيرة"، مما يمهد الطريق للانتقال إلى الحركة الثانية التي تُعنى بإعادة صياغة هذه المبادئ بما يتناسب مع تعقيدات الحياة الحديثة، وهو ما أطلق عليه "النظام القيمي للقرآن" (Rahman, 1980).

 

2. الحركة الثانية: من الماضي إلى الحاضر

تُمثل الحركة الثانية في هرمينوطيقا فضل الرحمن مرحلة "التحيين" أو العودة بالوحي إلى فضاء العصر، حيث تبدأ هذه المرحلة بعد استخلاص المبادئ الكلية والقيم الأخلاقية من السياق التاريخي الأول. ويرى الرحمن أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية "تزيئة" (Contextualization) تلك المبادئ المجردة –كالتوحيد والعدالة الاجتماعية– وتحويلها إلى قوانين وتشريعات عملية تناسب البنى الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة (Rahman, 1982, p. 7). إن الهدف هنا ليس مجرد تقليد الأحكام التاريخية، بل إعادة إحيائها عبر قوالب قانونية جديدة تحقق ذات "المقاصد الإلهية" في واقع يختلف جذرياً عن واقع مكة والمدينة في القرن السابع الميلادي، مما يجعل الإسلام ديناً قادراً على قيادة التغيير بدلاً من الانعزال عنه (Rahman, 1970) 

وفي إطار هذه الحركة، يشدد فضل الرحمن على أن إغفال التمييز بين "الأحكام القانونية المحددة" و"المبادئ الأخلاقية العامة" قد أدى إلى جمود الفكر الإسلامي. لذا، يطالب المفسر المعاصر بضرورة امتلاك وعي عميق بظروف العصر الحالي (الحالة الاجتماعية، التطور التقني، حقوق الإنسان) لضمان أن الصياغة الجديدة للمبدأ الأخلاقي لن تتصادم مع جوهر العدل القرآني (Rahman, 1982, p. 9). فإذا كان المبدأ هو "حماية الضعيف"، فإن التشريع المعاصر يجب أن يبحث عن أدوات الحماية في النظام المؤسساتي الحديث، وهو ما يصفه الرحمن بـ "الاجتهاد الحي" الذي يربط بين ميتافيزيقا الوحي وسوسيولوجيا الواقع (Rahman, 1966).

 

تطبيق النظرية على "الربا"

يُقدّم فضل الرحمن نموذجاً تطبيقياً حاسماً لمنهجيته "الحركة المزدوجة" من خلال إعادة قراءة قضية "الربا"، محاولاً فك الاشتباك بين الأحكام التاريخية والمقاصد الأخلاقية الكلية. ينطلق الرحمن في هذا السياق من فرضية مفادها أن الفهم القانوني الجامد للنصوص المحرمة للربا، دون النظر في "العلة" الغائية والسياق السوسيولوجي الذي تنزلت فيه، قد أدى إلى عجز الفكر الإسلامي عن استيعاب النظم المالية المعاصرة (Rahman, 1982). ومن هنا، تبدأ الحركة الأولى برحلة استقصائية تعود إلى بنية الاقتصاد الجاهلي لتحديد طبيعة "الشر" الذي استهدف القرآن اجتثاثه.

 

1-التحليل التاريخي (الحركة الأولى)

في المرحلة الأولى من التحليل التاريخي، يرى فضل الرحمن أن الربا الذي حرمه القرآن (ربا النسيئة) لم يكن مجرد عملية إقراض بفائدة، بل كان نظاماً استغلالياً متجذراً في البيئة القرشية، يتسم بكونه "رباً استهلاكياً" في مقامه الأول. ويجادل الرحمن بأن المقترضين في ذلك العصر كانوا في الغالب من الفقراء والمحتاجين الذين يقترضون لتأمين ضروريات العيش، مما يجعل الفائدة المفروضة عليهم نوعاً من المحق الاجتماعي (Rahman, 1966). ويؤكد فضل الرحمن في دراسته أن الوصف القرآني "أضعافاً مضاعفة" لم يكن قيداً إحصائياً بل كان توصيفاً لواقع مرير، حيث يؤدي عجز المدين عن السداد إلى تضخم الدين بشكل فاحش ينتهي غالباً باستعباد المدين أو تجريده من ممتلكاته البسيطة، وهو ما يتنافى مع روح العدالة القرآنية (Rahman, 1982, p. 18).

وعلى ضوء هذا التحليل، يخلص فضل الرحمن إلى "المبدأ الأخلاقي" الكلي الكامن وراء التحريم، وهو مكافحة الظلم الاقتصادي والاستغلال الجشع للضعفاء. ويرى أن الغرض من التشريع لم يكن منع الربح في ذاته، بل منع تراكم الثروة في أيدي فئة قليلة عبر امتصاص دماء الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع (Rahman, 1980). إن هذا الاستخلاص للمبدأ القيمي يمثل الجسر الذي يعبر به الرحمن من النص التاريخي الصارم إلى آفاق الحركة الثانية، حيث يتم تقييم النظم المصرفية الحديثة بناءً على مدى تحقق "الاستغلال" فيها من عدمه، بدلاً من التوقف عند مجرد التشابه الشكلي في الزيادة المالية (Rahman, 1970).

 

2-الإسقاط المعاصر (الحركة الثانية)

في المرحلة الانتقالية نحو الحركة الثانية، يطبق فضل الرحمن المبدأ الأخلاقي المستخلص (منع الاستغلال) على بنية الاقتصاد العالمي المعاصر، معتبراً أن الفشل في إدراك الفوارق الجوهرية بين "الربا الجاهلي" و"الفائدة المصرفية" يعكس قصوراً في المنهجية الفقهية التقليدية. ويرى الرحمن أن القروض في العصر الحديث تحولت من كونها "استهلاكية" لسد رمق الجوع إلى قروض "إنتاجية" موجهة نحو مشاريع تنموية وتجارية كبرى تهدف إلى خلق القيمة المضافة وتنشيط الدورة الاقتصادية (Rahman, 1982, p. 19). فالمقترض هنا ليس فرداً يائساً، بل هو في الغالب مستثمر أو مؤسسة تهدف للربح، مما ينقل المعاملة من حيز "الظلم الاجتماعي" إلى حيز "الشراكة الاقتصادية" المنظمة (Rahman, 1966).

علاوة على ذلك، يرتكز الإسقاط المعاصر عند فضل الرحمن على الطبيعة المؤسساتية للنظام المصرفي، حيث لم يعد "المقرض" شخصاً مرابياً يبتز جيرانه، بل أضحى البنك وسيطاً مالياً يدير مدخرات المجتمع ويساهم في استقرار الأسواق. ويشير الرحمن إلى أن الفائدة في هذا السياق تؤدي وظائف اقتصادية تقنية معقدة، من أهمها التعويض عن "تآكل القيمة الشرائية للعملة" نتيجة التضخم (Inflation)، وهو متغير لم يكن موجوداً في اقتصاد المقايضة أو العملات المعدنية القديمة (Rahman, 1970). وبناءً عليه، فإن ثبات القيمة الأخلاقية للعدل يتطلب مرونة في الحكم القانوني؛ إذ إن إلغاء الفائدة في ظل نظام نقدي ورقي قد يؤدي إلى ظلم "المقرض" بدلاً من حماية "المقترض" (Rahman, 1982).

وفي ختام هذا التحليل، يخلص فضل الرحمن إلى نتيجة جوهرية مفادها أن "الربا" المحرم قطعيًا في القرآن هو ذلك الفعل الذي يحمل في جوهره "عنصر الاستغلال" والظلم الفاحش الذي يدمر الكرامة الإنسانية. أما الفوائد البنكية المعمول بها في النظم المالية الحديثة، فهي في نظره "مسائل فنية" تتبع مصلحة المجتمع العامة (Social Welfare) ولا تندرج آلياً تحت طائلة التحريم الجاهلي ما لم تتضمن استغلالاً حقيقياً (Rahman, 1982, p. 21). إن هذا الموقف لا يعد دعوة للتساهل، بل هو إصرار على أن روح القرآن تهدف إلى إقامة اقتصاد "عادل وناجح"، وهو ما يتطلب اجتهاداً مؤسساتياً يفرق بين الوسيلة التاريخية والمقصد الإلهي الدائم (Rahman, 1980).

 

لماذا أثارت هذه النظرية الجدل؟

أحدثت أطروحات فضل الرحمن هزة عنيفة في الأوساط الفكرية الإسلامية، حيث وُجهت لنظرية "الحركة المزدوجة" انتقادات حادة من قبل التيارات المحافظة والأصولية. ويرى هؤلاء المعارضون أن منهجية الرحمن تؤدي بالضرورة إلى "تسييل" النص القرآني وإفراغه من محتواه التشريعي الملزم عبر إخضاعه المطلق للسياق التاريخي (Rahman, 1982). ويكمن جوهر اعتراضهم في أن فتح باب التمييز بين "المبدأ الأخلاقي" و"الحكم القانوني" قد يُفضي إلى إلغاء أحكام قطعية الثبوت والدلالة بدعوى تغير الظروف، وهو ما اعتبره البعض خروجاً عن ثوابت "أصول الفقه" التقليدية وتهديداً لمرجعية الوحي أمام سلطة العقل البشري المتغير (Al-Attas, 1985).

على الجانب المقابل، تبنى المؤيدون ومنظرو الحداثة الإسلامية هذه النظرية باعتبارها "طوق نجاة" يخرج الفكر الإسلامي من مأزق الجمود والارتهان للماضي. ويرى هذا التيار أن فضل الرحمن لم يسعَ لإلغاء الدين، بل أراد تحرير "الروح القرآنية" من قيود التفسيرات التاريخية التي استنفدت غرضها (Saeed, 2006). فمن وجهة نظرهم، تُعد هذه المنهجية هي السبيل الوحيد لجعل الإسلام ديناً حياً وقادراً على الاشتباك مع تعقيدات العصر في مجالات الاقتصاد والسياسة وحقوق الإنسان، بدلاً من الانعزال في قوالب فقهية لا تجد لها صدى في الواقع المعاصر (Rahman, 1980).

ختاماً، يمكن القول إن الجدل حول فضل الرحمن لم يكن مجرد خلاف تقني حول "الربا" أو "المواريث"، بل كان صراعاً حول هوية المنهج المعرفي الإسلامي. فقد سعى الرحمن إلى بناء جسر معرفي يربط بين ميتافيزيقا الوحي وسوسيولوجيا الواقع، مؤكداً أن القرآن هو "كتاب هداية" غايته الكبرى إقامة العدل، وأن العدل ليس صيغة جامدة بل هو قيمة ديناميكية يجب إعادة اكتشافها وتطبيقها في كل عصر (Rahman, 1982, p. 22). ورغم رحيله، لا تزال نظريته تشكل الأساس المرجعي لأي محاولة جادة لتجديد الفكر الإسلامي المعاصر، سواء في الشرق أو في المؤسسات الأكاديمية الغربية (Wan Daud, 1991).


خاتمة

في المحصلة، يظل مشروع فضل الرحمن محاولة جادة وجريئة لتجسير الفجوة بين عالم الوحي وعالم الإنسان، مؤسساً لما يمكن تسميته بـ "الواقعية الأخلاقية" في التفسير. إن أهمية نظريته لا تكمن فقط في النتائج الفقهية التي توصل إليها، بل في الشجاعة المنهجية التي فتحت آفاقاً جديدة للاجتهاد بعيداً عن الجمود التقليدي والانبهار الكلي بالغرب. ورغم حدة السجالات التي أحاطت بأفكاره، إلا أن قدرة نظريته على البقاء كمرجع أساسي للباحثين والمجددين اليوم تؤكد أن السؤال الذي طرحه حول "كيفية العيش إسلامياً في عالم حديث" لا يزال هو السؤال المركزي الذي يحتاج إلى إجابات متجددة، مما يجعل إرثه الفكري ركيزة لا غنى عنها في بناء أي نهضة إسلامية معاصرة.

 

: المراجع (References)

وفق نظام الجمعية الأمريكية لعلم النفس APA:

  • Al-Attas, S. M. N. (1985). Islam and Secularism. Kuala Lumpur: International Institute of Islamic Thought and Civilization (ISTAC).
  • Rahman, F. (1966). Islam. Chicago: University of Chicago Press.
  • Rahman, F. (1970). Islamic Methodology in History. Karachi: Central Institute of Islamic Research.
  • Rahman, F. (1980). Major Themes of the Qur'an. Minneapolis: Bibliotheca Islamica.
  • Rahman, F. (1982). Islam & Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. Chicago: University of Chicago Press.
  • Saeed, A. (2006). Interpreting the Qur'an: Towards a Contemporary Approach. London: Routledge.
  • Wan Daud, W. M. N. (1991). The Beacon on the Crest of a Hill: A Brief Analysis of the Educational Philosophy and Curriculum of Fazlur Rahman. Kuala Lumpur: International Institute of Islamic Thought and Civilization.

.

الكلمات المفتاحية:


الاكثر قراءة

تخفيض اجرة السوزوكي في مدينة الشروق .. تعرف على السعر الجديد تشغيل خطوط سير داخلية جديدة في مدينة الشروق "بتوقيت ماما" حملة أطلقها طلاب بإعلام القاهرة للتوعية بمراحل الحمل مسلسل سيد الناس بطولة عمرو سعد في رمضان ٢٠٢٥

رٱي

لماذا يخشى الرقيب "مصنع السحاب"؟ قراءة في الرواية التي أربكت المؤسسة. شاهد// حسام الحداد يناقش الخطاب الديني من الجامع للفيسبوك شاهد// الشيخ محمد عبدالله يكشف المستور: من وهم البخاري لحقيقة حد الردة وقراءة في الذات الإلهية لماذا أرى الحرب الأهلية الأمريكية هي الاحتمال الأقرب؟