آلة الكمان: الرحلة من الغموض إلى المجد
كتب: مريم هاني
ما زالت أصول الكمان مغلفة بالغموض، فهل نشأ حقاً في أوروبا؟ أم أن أصداء نغماته الأولى تعود إلى الشرق؟ يعتقد الكثيرون أن الكمان هو تطور لأدوات وترية أقدم، مثل "الربابة" في العالم العربي و"الإرهو" الصيني، حيث كان العازفون في الأسواق والقرى يعزفون ألحاناً من الحياة اليومية، ممزوجة بحكايات الحب والحرب.
في القرن السابع عشر، وقعت آلة الكمان في يد صُنّاع الآلات الموسيقية الإيطاليين، ومن هنا بدأت قصة المجد.
في مدينة كريمونا الإيطالية، بدأ الحرفيون في تجربة المواد والتصاميم، لتخرج من بين أيديهم آلات لم تُعرف سابقاً بجودة الصوت التي كانت تخرج منها. من أشهرهم "أنطونيو ستراديفاري"، الذي قيل إنه وضع روحه في كل آلة صنعها. حتى اليوم، تظل آلات ستراديفاري أسطورة في عالم الكمان، حيث تباع بملايين الدولارات، وتعتبر من أكثر الآلات ندرة وغموضاً.
في ذلك الزمن، لم يكن الكمان محترماً كما هو اليوم، بل كان يُعتبر أداة موسيقية بسيطة مقارنة بالبيانو أو الهاربسيكورد. لكن عازفي الكمان لم يقبلوا بهذا التصنيف، فبدأوا في إثبات قوة هذه الآلة. وظهر عازفون خارقون مثل "نيكولو باغانيني"، الذي قيل إنه يعزف بأسلوب سحري لدرجة أن البعض زعموا أن مهاراته غير طبيعية، وربما كان قد باع روحه مقابل موهبته الفريدة. كان الناس يسافرون من بلدان بعيدة ليشهدوا أداء باغانيني، وهم مبهورون بقدرته على السيطرة على الآلة، فيبدو كأنه يجري حواراً مع روحه.
إذا كانت البيانو آلة العقل، فإن الكمان بلا شك هو آلة القلب.
في لحظة، قد يجعلك الكمان تشعر بفرح لا يوصف، وفي اللحظة التالية يأخذك إلى أعماق الحزن. تلك القدرة العجيبة للكمان على تغيير مزاج المستمعين جعلت منه الآلة الأكثر تعبيراً في الموسيقى الكلاسيكية. ففي الحفلات الكبرى، حين تشتد الألحان وتزداد شجناً، تكون نغمات الكمان هي من يصل بقلوب الحضور إلى أقصى حد من التأثر.
مع تطور السينما والموسيقى التصويرية، وجد الكمان مكانه على شاشات الأفلام، حيث أصبح جزءاً أساسياً من الموسيقى التي تعبر عن لحظات الحب والخوف والشوق. وإذا أضفت لمسة من التحديث مثل الكمان الكهربائي، ستجد الكمان يشق طريقه إلى فرق الروك والعروض الموسيقية المعاصرة، معيداً تعريف نفسه لجمهور جديد.
يبقى الكمان لغزاً، فألحانه تصل لأعماق النفس وكأنها لغة خفية. في كل نغمة، يسكن سر من أسرار الكون، وكأن الكمان يهمس في آذاننا بحكايات الزمن القديم.
