البيت الذي لا يسكنه أحد
كتب: فاطمة عبد الجواد
يقولون إن البيوت تُشبه أصحابها.
لهذا كانت تخاف
العودة.ما إن توقف الباص حتى شعرت بأن قلبها يهبط إلى قدميها. تمنّت لو تعطّل، لو
امتدت الطريق ساعة أخرى، لو يمنحها القدر مهلة صغيرة قبل أن تدخل ذلك المكان الذي
يفترض أنه وطنها. لكنها كانت تعرف الحقيقة: ليس كل سقفٍ يحمي، وليس كل بابٍ يعني
الأمان.
نزل هو أولًا.
دائمًا يفعل.يمشي بخطوات سريعة، حاسمة، كأنه يهرب من شيء يطارده، أو من امرأة تسير
خلفه بنصف روح. حاولت أن تلحق به، لكن المسافة بينهما كانت تكبر رغم قصر الطريق.
لم يلتفت ليتأكد أنها ما زالت هناك. كان واثقًا أنها ستتبعه فهي دائمًا تفعل.فتحت
باب الشقة، فاستقبلها ذلك الصمت الثقيل. صمت تعرفه جيدًا، تحفظ زواياه، وتعرف كيف
يتمدد في المساء فوق الأثاث ويجلس بينها وبينه على الطاولة. لا أصوات، لا رائحة
طعام، لا دفء ينتظر عودة أحد.
دخل، ألقى
المفاتيح على الطاولة، وجلس.
الهاتف أولًا.
دائمًا الهاتف.
أما هي، فبقيت
واقفة لحظة قرب الباب، كضيفة لا تعرف أين تضع حقيبتها.
لكنها كانت تعرف
دورها جيدًا. تحركت نحو المطبخ كأن هناك برنامجًا محفوظًا في داخلها يعمل
تلقائيًا. غسلت يديها، وقفت أمام الحوض، وظلت تنظر إلى الفراغ. لم تكن جائعة، ولم
تسأله إن كان يريد أن يأكل. هما لم يعودا يتشاركان الجوع منذ زمن. لكلٍ منهما
وحدته، حتى وهما في بيتٍ واحد.
من مكانه، كان
ضوء الهاتف ينعكس على وجهه، يمنحه حياة لا تعرفها. يبتسم أحيانًا، يعبس أحيانًا،
يكتب كثيرًا.
سألت نفسها:لمن
يهب كل هذه المشاعر التي لم يعد يملك منها شيئًا لي؟
شعرت بالغيرة،
لا من امرأة محددة، بل من العالم كله. من أي شيء يستطيع أن يأخذه منها ولو لثوانٍ.
وضعت الطعام
أمامه دون أن تتكلم. نظر إليه، ثم قال ببرود:
مش جعان.
هزّت رأسها. لم
تتفاجأ. كانت قد توقعت الرفض قبل أن تطهو. الرفض صار روتينًا يوميًا
جلست قبالته.
أرادت أن تبدأ حديثًا، أي حديث. عن الطريق، عن الباص، عن الطقس، عن أي شيء لا
يخصهما. لكنها كانت تخاف أن تفتح بابًا لا تستطيع إغلاقه. الكلمات بينهما تحولت
إلى ألغام، خطوة واحدة خاطئة كفيلة بانفجار ليلة كاملة.
راقبته خلسة.هذا
الرجل الذي أحبته حتى فقدت ملامحها، متى صار بعيدًا إلى هذا الحد؟متى تحولت من
حبيبته إلى عبء؟
ومن امرأة
ينتظرها إلى امرأة يتحملها؟
قالت في
داخلها:ربما أنا السبب.
كانت دائمًا
تلقي اللوم على نفسها، لأن فكرة أنه لا يحبها صارت أكبر من قدرتها على
الاحتمال.قام من مكانه فجأة، واتجه إلى الغرفة. لم يقل شيئًا. لم يدعها. لم يغلق
الباب بقوة، لكنه أغلقه بما يكفي لتفهم الرسالة:
المسافة
مطلوبة.بقيت وحدها في الصالة.
والبيت… كما هو…
لا يسكنه أحد.
رفعت الأطباق،
غسلتها ببطء، كأنها تؤجل لحظة الذهاب إليه. كانت تخاف النوم بجواره. السرير الذي
كان يومًا مساحة للحب صار الآن اختبارًا يوميًا للخذلان. ينام على طرف، وهي على
طرف، وبينهما بحر لا تعبره سفن.دخلت الغرفة أخيرًا. وجدته مستلقيًا، عينه على
السقف، والهاتف بجواره. لم يسألها لماذا تأخرت. لم يبحث عنها أصلًا.
أطفأت الضوء،
واستلقت.تمنت أن يقترب، أن يمد يده، أن يخطئ حتى.أي شيء يؤكد أنه ما زال يريدها.
لكن شيئًا لم
يحدث.
في الظلام، فتحت
عينيها على اتساعهما.
وقالت لنفسها
الحقيقة التي تهرب منها كل يوم:
أنا أعيش مع رجل
سبقني في الرحيل، لكنه نسي أن يغادر البيت.
وأغمضت عينيها،
محاولة أن تنام، لكنها لم تستطع النوم مر بخاطرها الكثير
