من الخشب إلى الفن: رحلة تصنيع الطبلة في مراحلها المختلفة
الطبلة ومراحل تصنيعها
كتب: يوأنا ملاك
تعد الطبلة واحدة من أبرز الآلات الإيقاعية في الموسيقى العربية والعالمية، حيث تحمل في إيقاعها روح التراث والجمال الفني. ومنذ العصور القديمة، كانت صناعة الطبلة تحظى بأهمية كبيرة، إذ تُعتبر رمزًا للإيقاع الذي يربط بين الأجيال.
تتسم عملية تصنيع الطبلة بالدقة والحرفية العالية، إذ تمر بعدة مراحل متقنة تبدأ من اختيار المواد الخام المناسبة وصولاً إلى الشكل النهائي للآلة التي تنبعث منها الأصوات التي تلامس قلوب المستمعين.
وتحدث محمد محمد عباس نجل صاحب مصنع طبل بالدرب الأحمر عن مراحل تصنيع الطبلة، ألا وهي:-
أولًا:- اختيار المواد الخام
تبدأ عملية صناعة الطبلة باختيار المواد المناسبة. يتم اختيار الخشب الجيد الذي يكون خفيفًا لكنه قوي، مثل خشب التوت أو الجوز. أما الجلد، فيتم اختياره بعناية من الجمال أو الأبقار، حيث يجب أن يكون مرنًا ومتينًا في الوقت ذاته.
ثانيًا:- تشكيل الهيكل الخشبي
تتطلب هذه المرحلة مهارة عالية، حيث يقوم الحرفيون بتقطيع الخشب إلى مقاسات دقيقة وتجميعه باستخدام قوالب خاصة. يُعتبر تشكيل الهيكل الخشبي من أصعب المراحل، فهو الأساس الذي يُبنى عليه باقي أجزاء الطبلة.
ثالثًا:- مرحلة الاستورجي ولزق الصدف
بعد تشكيل الهيكل، تأتي مرحلة "الاستورجي"، التي تتضمن لصق قطع من الصدف أو الزخارف على الطبلة، مما يعطيها لمسة جمالية. وتُعتبر هذه المرحلة أيضًا مهمة جدًا لضمان متانة الطبلة.
رابعًا:- تركيب الجلد على الجسم
يتم تركيب الجلد على الطبلة بعناية فائقة. يتطلب الأمر ضبط التوتر بشكل دقيق للحصول على الصوت المطلوب. هذه المرحلة النهائية في صنع الطبلة تجعل منها آلة موسيقية حية تنبع منها الإيقاعات العذبة.
ويُعتبر عباس آخر من يمارس هذه الحرفة "نجار طبلة" في منطقته، وأشار إلى أن أصعب مرحلة في التصنيع هي تقطيع الخشب وتجميعه على قوالب، حيث أن هذه المرحلة هي الأساس ولا يمكن الاستغناء عنها.
يُعبّر عباس عن حبه العميق للمهنة ويقول: "إن صناعة الطبلة ليست مجرد عمل، بل هي متعة وشغف، خاصة عندما يرى الطبلة في شكلها النهائي." وأضاف: "رغم أن الجيل الجديد أصبح أقل اهتمامًا بهذه الحرفة، إلا أنني أجد سعادة كبيرة في العمل بها، حتى وإن لم توفر لي أرباحًا ضخمة."
وتطرق عباس أيضًا إلى الفرق بين الطبلة الحالية والطبلة القديمة، حيث قال: "في الماضي، كانت الطبلة تصنع من الفخار، وكانت العملية أسهل وأسرع. ولكن الآن، ورغم أن الطبلة أصبحت أكثر تميزًا في شكلها وجودتها، إلا أن البيع أصبح أقل."
الصعوبات التي تواجه صناعة الطبلة
تشمل تقليص عدد المتدربين الجدد. يُلاحظ أن الشباب في الوقت الحالي لا يتحلون بالصبر للتعلم، إذ يبحثون عن دخل سريع دون تكبد عناء التدريب الطويل. هذا يؤدي إلى تراجع عدد الحرفيين المتخصصين في هذا المجال.
وفي حديث مع أحمد فسكان، عامل تقطيع الصدف، قال: "الممارسة هي الأهم في هذه المهنة. فقد مضى أكثر من خمسين عامًا وأنا أعمل في هذا المجال، وأعرف تمامًا كيف أزين الطبلة بدقة." وأضاف أن تقطيع الصدف يأخذ وقتًا قد يصل إلى عشرين دقيقة للطبلة الواحدة.
وتحدث فوزي بيومي، أحد العمال في صناعة الطبلة، حيث أشار إلى الصعوبات التي يواجهها العاملون في هذا المجال. فقال: "الشباب اليوم لا يملكون الصبر على المراحل المتعددة في تصنيع الطبلة، مما يؤدي إلى تراجع عدد المبتدئين. وفي النهاية، فإن العامل الإنتاجي هو الأكثر ظلمًا في هذه الصناعة."
فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، يواجه العاملون في صناعة الطبلة تحديات كبيرة. حيث يضيف فوزي بيومي: "على الرغم من أن العامل الذي يصنع الطبلة من البداية للنهاية قد لا يحصل سوى على 500 جنيه أسبوعيًا، فإن تجار البازارات يبيعون الطبلة الواحدة بأسعار مرتفعة للسياح، مما يجعلهم المستفيدين الأساسيين من هذه الصناعة."
وفي النهاية، تبقى صناعة الطبلة أحد أبرز الفنون التي تحمل إرثًا ثقافيًا عميقًا. ورغم التحديات التي تواجهها هذه الحرفة العريقة، يظل الحرفيون الذين يواصلون العمل في هذا المجال يتمتعون بشغف كبير، متمنين أن تستمر هذه الصناعة في العيش وتوريث الأجيال القادمة حبها واهتمامها.
الكلمات المفتاحية: