حسام الحداد يكتب: الدين والعلمانية.. مأزق الخطاب العربي بين الوهم الرمزي والعقلانية الباردة
الدين والعلمانية في العالم العربي
كتب: حسام الحداد
حين ألقى جاك لاكان محاضرته الشهيرة والقصيرة "انتصار الدين" عام 1974، لم يكن بصدد صياغة عقيدة جديدة أو تقديم قراءة لاهوتية، بل أراد أن يفتح نافذة لفهم البنية النفسية والاجتماعية التي تجعل الدين حاضرًا في كل زمان ومكان. مقولته الصادمة بأن "الدين سينتصر لأنه يقدّم كلامًا فارغًا للجميع" لم تكن سخرية مباشرة، وإنما كانت قراءة إكلينيكية لموقع الدين في النفس البشرية: فهو يملأ فراغًا بنيويًا في الوجود الإنساني، فراغًا لا يزول حتى مع التقدم العلمي أو صعود الحداثة.
في سبعينيات القرن الماضي، كان النقاش الغربي محتدمًا حول "موت
الدين" وسيادة العلمانية بعد انحسار تأثير الكنيسة في أوروبا. كثير من
المفكرين افترضوا أن العقلانية والتكنولوجيا ستقوضان الحاجة إلى المقدس، وأن
العالم يتجه نحو فضاء عقلاني صرف. لكن لاكان خالف هذا التيار، مؤكدًا أن الدين
يملك قدرة خاصة على إعادة إنتاج نفسه، لأنه يتعامل مع أعمق مستويات الحاجة
الإنسانية: الحاجة إلى معنى يملأ النقص ويعطي للذات لغة لفهم وجودها وحدودها.
اليوم، تبدو هذه الفكرة بالغة الأهمية في العالم العربي، حيث لم تنجح مشاريع
العلمنة أو محاولات الإصلاح السياسي والاجتماعي في تقليص حضور الدين، بل على
العكس، كثيرًا ما عاد الدين بقوة إلى الواجهة في شكل خطاب سياسي أو اجتماعي أو
هوياتي. وهنا يصبح سؤال لاكان: لماذا ينتصر الدين؟ مدخلًا لفهم العلاقة الشائكة
بين الدين والعلمانية، لا بوصفها صراعًا بين عقل وإيمان، بل كبنية معقدة تتصارع
على ملء "الفراغ الرمزي" في حياة الإنسان والمجتمع.
الدين كخطاب انتصاري
يرى جاك لاكان أن الدين ينجح لأنه يتقن فنّ "الكلام الفارغ" (le
bavardage)، أي الخطاب الذي يملأ الفراغ دون أن يقول شيئًا حاسمًا أو نهائيًا. هذا
"الكلام" ليس بلا قيمة، بل هو على العكس، يمنح الإنسان راحة وطمأنينة،
لأنه يغطي على "الواقع" (the Real) الذي يمثّل عند لاكان ما لا يمكن
للغة استيعابه أو السيطرة عليه. أمام رعب الموت، والعدم، واللايقين، يقدّم الدين
سرديات جاهزة ومعاني مطمئنة، تمكّن الفرد من التعايش مع ما لا يُحتمل
من هنا، يُشبه لاكان الدين بالعصاب على المستوى الفردي: العصاب ليس مرضًا
يدمّر صاحبه بالكامل، بل هو في أحيان كثيرة آلية دفاعية تسمح للذات بأن تستمر في
العيش والتكيف. والدين، على مستوى الجماعة، يلعب الدور نفسه. إنه "وهم ضروري"
يتيح للإنسان تجاوز القلق الوجودي، وخلق شبكة من الرموز والطقوس التي تجعل العالم
قابلاً للفهم والتأويل، حتى لو كان هذا الفهم قائمًا على الوهم أو الأسطورة.
بعبارة أخرى، الدين ليس مجرد بناء اجتماعي، بل علاج جماعي للجرح المفتوح الذي
يحمله كل إنسان في وجوده.
وهنا يبرز ضعف البدائل الحديثة: فالعلم، مهما بلغ من دقة وتقدم، يظل قادرًا
على أن يفسّر "كيف" تعمل الأشياء لكنه يعجز عن الإجابة عن سؤال
"لماذا نحيا؟". أما الفلسفة، فهي تطرح الأسئلة وتُعقّدها أكثر مما
تحلّها، فلا توفّر الاطمئنان الذي يطلبه الإنسان العادي. أمام هذا العجز، يظل
الدين يتقدّم بفضل بساطته وقدرته على تقديم إجابة حاسمة وسريعة: "نحيا لأن
هناك إرادة إلهية تمنح وجودنا معنى". وهذا ما يجعل الدين –من منظور لاكان–
خطابًا انتصاريًا قادرًا على الصمود أمام كل بديل عقلاني أو علمي.
حدود الأطروحة اللاكانية
أول ما يُؤخذ على أطروحة لاكان هو اختزالها النفسي للدين. ففي رؤيته، الدين
مجرد آلية "تسكينية" أو وهم جماعي يهدف إلى تهدئة القلق الوجودي وتسكين
جرح النقص البنيوي الذي يلازم الإنسان. لكن هذا التفسير، رغم عمقه التحليلي، يغفل
حقيقة أن الدين ليس فقط أداة للتخفيف من الخوف، بل هو أيضًا منظومة أخلاقية تشكّل
معايير للخير والشر، كما أنه قوة اجتماعية وسياسية تؤطر العلاقات البشرية وتحدد
أنماط السلطة والتضامن. بذلك، يصبح اختزال الدين في مجرد وظيفة علاجية تقليلًا من
أبعاده المركبة.
النقد الثاني يتعلق بغياب التنوع في مقاربة لاكان للدين. فقد تعامل معه ككتلة
واحدة ثابتة، متجاهلًا الاختلافات الجذرية بين التجارب الدينية عبر الثقافات
والتاريخ. الدين المسيحي مثلًا لا يشتغل بالطريقة نفسها التي يشتغل بها الإسلام أو
البوذية، كما أن الدين ذاته يعرف تحولات وصراعات داخلية بين تياراته ومذاهبه.
النظر إلى الدين كـ"خطاب واحد" يفقدنا القدرة على فهم ديناميكيته،
ويحوّله إلى بنية صماء، بينما الواقع يشهد على أن الدين يتغير باستمرار ويعيد
تشكيل نفسه وفق الظروف الاجتماعية والسياسية.
أما النقد الثالث فيتعلق بتحوّل لاكان من موقع المحلّل النفسي إلى موقع
"النبي الثقافي". حين تنبأ في سبعينيات القرن العشرين بأن الدين سينتصر،
بدا وكأنه يتحدث بمنطق يقيني يتجاوز التحليل النفسي إلى نوع من النبوءة الفكرية.
هذا التحول قد يُضعف من الطابع العلمي لأطروحته، إذ يقدّم استشرافًا ثقافيًا أكثر
منه نتيجة تحليلية صارمة. ومع ذلك، المفارقة أن الزمن أثبت صحة حدسه، حيث شهد
العالم منذ الثمانينيات صعودًا ملحوظًا للأصوليات الدينية، في الشرق والغرب على حد
سواء.
وأخيرًا، فإن قراءة لاكان رغم قوتها لا تفسر لماذا ينجح الدين أحيانًا في أن
يكون قوة تحريرية، تدفع نحو العدالة والكرامة، وليس مجرد خطاب تسكيني أو أداة
للهيمنة. كثير من الحركات الإصلاحية أو التحررية استمدت قوتها من المرجعيات
الدينية، مما يعني أن اختزال الدين في كونه "عصابًا جماعيًا" يتجاهل
طاقته التحويلية والإبداعية. بهذا، تبدو أطروحة لاكان مفيدة كتشخيص لإحدى وظائف الدين،
لكنها تظل محدودة إذا ما طُبقت على التجربة الدينية في كل أبعادها.
الدين والعلمانية في العالم العربي
في العالم العربي، تفرض جدلية الدين والعلمانية نفسها بقوة أكبر مما في
السياقات الغربية التي تحدث عنها لاكان. فالمجتمعات العربية لا تعيش فقط أسئلة
فلسفية أو فكرية حول معنى الوجود، بل تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية
متشابكة تجعل مسألة المرجعية الدينية أو العلمانية مسألة مصيرية تتعلق بمصير
الدولة والمجتمع. وهنا، يبرز كيف يمكن أن تُقرأ نبوءة لاكان عن "انتصار
الدين" في ضوء واقعٍ ملتبس ومشحون بالتوترات.
الخطاب الديني في العالم العربي لا يكتفي بتقديم سرديات مطمئنة أو إجابات
جاهزة على أسئلة الوجود، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى خطاب دوغمائي يوظّف
الدين في الصراعات السياسية ويستعمله أداة للإقصاء أو للهيمنة على المجال العام.
هذا التسييس يجعل الدين يفقد أحيانًا طاقته الرمزية والروحية ليغدو خطابًا سلطويًا
يُقدّم يقينيات صارمة تُستخدم لتبرير العنف أو تكريس الاستبداد. بذلك، يصبح
"الكلام الفارغ" عند لاكان أكثر وضوحًا، حيث يتحول النص المقدس إلى
شعارات سطحية تملأ الفضاء العام دون معالجة جوهر الأزمات.
في المقابل، يطرح الخطاب العلماني نفسه بديلًا قائمًا على العقلانية، والحقوق،
وبناء نظام مدني يضمن المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.
غير أن هذا الخطاب يواجه في مجتمعاتنا العربية مأزقًا مزدوجًا: فمن جهة يُتهم بأنه
مستورد من الغرب ويتعارض مع الهوية الثقافية والدينية، ومن جهة أخرى يعجز عن
مخاطبة الحاجات الرمزية والروحية التي لا يمكن للمجتمع أن يتخلى عنها. وهكذا يبدو
أن العلمانية في صورتها النظرية لا تزال قاصرة عن أن تتحول إلى مشروع جامع يجد
جذوره في السياق العربي.
وهنا تكتسب قراءة لاكان أهمية خاصة: إذ كما حذّر من انتصار "الكلام
الفارغ"، نجد أن بعض الخطابات الدينية والسياسية والشعبوية في منطقتنا تشتغل
على سدّ فراغ القلق الجمعي عبر تقديم يقينيات سطحية وشعارات كبرى. هذه الشعارات
تُعطي انطباعًا بالقوة والاستقرار، لكنها لا تُقدّم حلولًا حقيقية للمشكلات المزمنة
مثل الفقر، والبطالة، والفساد، وغياب العدالة الاجتماعية. إنها تطمئن الجماهير
لكنها تترك الواقع كما هو.
النتيجة أن العالم العربي يعيش حالة مأزقية: بين خطاب ديني يَعِد بالمعنى لكنه
قد يتحول إلى أداة إقصاء، وخطاب علماني يَعِد بالحرية لكنه يُتهم بالاغتراب عن
وجدان الناس. كلا الخطابين، بشكل أو بآخر، لا يقدّم إجابات جذرية عن أزمات الواقع
الملموس، مما يترك فراغًا تُملؤه الخطابات الشعبوية والإيديولوجيات السطحية.
من هنا، يمكن القول إن نبوءة لاكان عن "انتصار الدين" لم تتحقق في
العالم العربي على شكل حضور روحي متجدد فحسب، بل تجلت في صورة صعود خطابات متناقضة
–دينية وسياسية– تتنافس على ملء الفراغ الوجودي والاجتماعي. وهذا ما يجعل الحاجة
ملحّة إلى صياغة خطاب جديد، لا يكتفي بالطمأنة الرمزية ولا يهرب إلى شعارات
عقلانية جافة، بل يحاول الجمع بين الحاجة إلى المعنى الروحي والالتزام بالعدالة
والحرية في الواقع.
التوازن بين الرمزي والمدني
النقاش حول الدين والعلمانية غالبًا ما يُختزل في ثنائية الإقصاء أو السيطرة:
إما إبعاد الدين عن المجال العام بشكل كامل، أو جعله المرجعية الوحيدة الحاكمة لكل
تفاصيل الحياة. غير أن التجارب التاريخية والمجتمعية أظهرت أن هذين الخيارين
يؤديان في النهاية إلى مأزق: فالإقصاء يولّد فراغًا رمزيًا يترك الإنسان في مواجهة
قلقه الوجودي بلا سند، بينما الاحتكار يؤدي إلى تسلط فكري وسياسي يغلق باب
التعددية والحوار.
من هنا، يصبح الحل في إعادة توزيع الأدوار بدلًا من الدخول في صراع صفري.
فالدين، في صيغته الإيجابية، يمكن أن يظل فضاءً رمزيًا وأخلاقيًا يمنح الإنسان
معنى لحياته، ويُغذي الضمير الجمعي بقيم العدل والرحمة والكرامة. هذا البعد لا
يمكن لأي نظام سياسي أو فلسفة عقلانية أن تلغيه، لأنه متجذّر في الوجدان الإنساني
ومرتبط بالحاجة العميقة للمعنى والطمأنينة.
لكن في المقابل، لا ينبغي للدين أن يحتكر السياسة أو يفرض نفسه كمرجعية مطلقة
في إدارة شؤون الدولة. السياسة تحتاج إلى أدوات براغماتية، قوانين واضحة، ومؤسسات
مدنية قادرة على التعامل مع التنوع والتعقيد الاجتماعي. إذا تحوّل الدين إلى سلطة
سياسية مطلقة، فإنه يفقد طابعه الرمزي–الروحي ليصبح أداة للصراع والإقصاء، وهو ما
شهدناه مرارًا في تجارب تاريخية ومعاصرة.
أما العلمانية، فهي ليست بالضرورة خصمًا للدين، بل يمكن أن تكون الإطار المدني
الذي يضمن حقوق جميع المواطنين بصرف النظر عن معتقداتهم. قيم مثل الحرية،
المساواة، والتعددية ليست نقيضًا للقيم الدينية، بل يمكن أن تشكل أرضية مشتركة
تعزز التعايش وتحمي المجتمع من الانقسامات. لكن شرط ذلك أن لا تتحول العلمانية إلى
أيديولوجيا متطرفة تُقصي الدين تمامًا من المجال العام، لأن ذلك يعمّق الشعور
بالاغتراب لدى المجتمعات المتديّنة.
بهذا المعنى، يصبح التكامل بين الدين والعلمانية أكثر واقعية وإنسانية من
الصراع بينهما. الدين يمد المجتمع بالطاقة الرمزية والأخلاقية، والعلمانية توفّر
البنية المؤسسية والقانونية التي تحمي التعددية وتنظم المجال السياسي. كل طرف
يحتاج إلى الآخر: فالعلمانية بدون بعد رمزي تتحول إلى خطاب بارد منفصل عن حاجات
الناس، والدين بدون إطار مدني عادل قد يتحول إلى "كلام فارغ" يغطي على
الأزمات بدلًا من معالجتها.
إن التحدي الأكبر أمام مجتمعاتنا هو صياغة فضاء عام قادر على احتضان هذا
التكامل: فضاء يتسع للرمزي والأخلاقي، وفي الوقت نفسه يُرسّخ قيم المواطنة
والحقوق. بذلك، نخرج من مأزق الثنائيات الضيقة نحو أفق أكثر إنسانية، حيث الدين لا
يُلغى ولا يُؤلَّه سياسيًا، والعلمانية لا تُفرَض كقيد بل تُفهم كضمان للتنوع
والعدالة.
مثال تطبيقي: تونس ومصر ولبنان
لفهم جدلية الدين والعلمانية في العالم العربي، يمكن الاستفادة من بعض النماذج
التي عكست هذه المواجهة بشكل عملي بعد التحولات السياسية الكبرى في العقد الأخير.
تونس، مصر، ولبنان تقدم لنا ثلاث صور مختلفة لكيفية حضور الدين في المجال العام،
وكيفية تفاعل الخطاب الديني مع مقتضيات الواقع السياسي. هذه الأمثلة تبرز إلى أي
مدى تنبؤ لاكان بانتصار الدين كـ"خطاب رمزي" ظل حاضرًا، لكن بأشكال
مختلفة بين القدرة على التكيف أو الانهيار أو التحوّل إلى بنية مؤسسية مغلقة.
تونس: بين الرمزي والتسوية المدنية
بعد ثورة 2011، برزت حركة النهضة الإسلامية كقوة سياسية شرعية لأول مرة في
تاريخ تونس الحديث. دخولها المجال العام كان اختبارًا حيًا لفكرة التوفيق بين
الدين والسياسة، حيث طرحت نفسها باعتبارها صوتًا رمزيًا يستجيب للحاجة إلى المعنى
والهُوية الإسلامية. غير أن النهضة سرعان ما وجدت نفسها أمام واقع سياسي متشعب
يتطلب تسويات وتحالفات، الأمر الذي أجبرها على التراجع عن خطابها الديني الصلب
والانخراط في تجربة سياسية أكثر براغماتية.
لكن رغم هذا التكيف، ظل التوتر قائمًا بين البعد الرمزي الذي يستمد شرعيته من
الدين والبعد المؤسسي الذي يقوم على العلمانية كإطار قانوني–مدني. هذا التوتر يعكس
بالضبط ما أشار إليه لاكان: المجتمع لا يستطيع بسهولة التخلي عن حاجته إلى اليقين
الرمزي، حتى لو تطلّب الأمر الدخول في تسويات سياسية. هنا نرى كيف يمكن أن يتعايش
"الكلام الرمزي" مع ضرورات الواقع، دون أن يُحسم الصراع بينهما بشكل نهائي.
مصر: سقوط الخطاب الشعبوي
في مصر، جاءت تجربة ما بعد 2011 مختلفة تمامًا. فقد صعد الإخوان المسلمون إلى
السلطة بسرعة، معتمدين على خطاب ديني شعبوي يعد الناس بالحلول السريعة والخلاص
الرمزي. هذا الخطاب وفّر يقينًا مطمئنًا في لحظة أزمة وطنية كبرى، لكنه لم يستند
إلى رؤية عملية لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي كانت تواجه
البلاد.
النتيجة كانت انهيارًا سريعًا لتجربتهم في الحكم، وانقلاب المزاج الشعبي ضدهم.
ما يبيّنه هذا المثال أن الخطاب الديني، حين يظل في حدود "الكلام
الفارغ" كما وصفه لاكان، قد يمنح شعبية آنية لكنه يفتقر إلى القدرة على إدارة
الواقع. هنا يظهر فشل الدين كأداة سياسية إذا لم يُرفق برؤية مؤسسية واقعية، مما
يجعل الانتصار الرمزي قصير الأمد وغير قادر على الصمود.
لبنان: الدين كبنية مؤسساتية مغلقة
أما في لبنان، فالوضع مختلف تمامًا، إذ أن الدين ليس مجرد خطاب رمزي أو فاعل
سياسي، بل هو جزء بنيوي من النظام السياسي نفسه عبر المحاصصة الطائفية. في هذا
السياق، لا يقتصر "انتصار الدين" على كونه طمأنة رمزية للناس، بل يتحول
إلى آلية مؤسسية تعيد إنتاج الأزمات وتغذي الانقسام السياسي والاجتماعي.
النظام اللبناني يوضح الوجه المظلم لانتصار الدين: بدل أن يكون مصدرًا للمعنى
أو الأمان الروحي، أصبح عبئًا سياسيًا يعمّق الشرخ بين الطوائف ويحول دون بناء
دولة مدنية متماسكة. هذا النموذج يؤكد تحذير لاكان من أن انتصار الدين لا يعني
بالضرورة خلاصًا أو استقرارًا، بل قد يكون انتصارًا للانقسام وللخطابات المغلقة
التي تعيق أي إمكانية لتجاوز الأزمة.
دلالة المثال العربي
توضح التجارب العربية، من تونس ومصر ولبنان، أن العلاقة بين الدين والعلمانية
لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة بين "الإيمان" و"العقل".
فالمجتمعات لا تبحث فقط عن أنظمة حكم عقلانية أو مؤسسات مدنية فاعلة، بل تحتاج
أيضًا إلى إشباع حاجات رمزية أعمق تتعلق بالمعنى والهوية والانتماء. هذا البعد
الرمزي يظل حاضرًا حتى عندما تحاول النخب السياسية صياغة أطر مدنية علمانية، وهو
ما يجعل الصراع بين المرجعيتين متجذرًا ومعقدًا.
من هنا نفهم أن الدين لا يحضر فقط كعقيدة فردية، بل أيضًا كخطاب جمعي قادر على
شحن العواطف وصياغة الهوية الجماعية. في المقابل، تبدو المؤسسات المدنية في كثير
من الحالات العربية عاجزة عن إنتاج خطاب جامع يحمل دلالات رمزية مقنعة، ويمنح
المواطنين شعورًا بالانتماء. هذه الفجوة تترك الساحة مفتوحة أمام الخطاب الديني أو
الطائفي ليملأ الفراغ، ولو بشكل مؤقت، حتى وإن كان على حساب الاستقرار السياسي أو
الاجتماعي.
ويصبح تحذير جاك لاكان من "انتصار الكلام الفارغ" واضحًا في هذا
السياق: فحين يغيب مشروع مدني قادر على دمج الرمزي بالعملي، يصبح المجال مهيأ
لخطابات شعبوية أو دينية تَعِدُ باليقين المطلق، لكنها في الواقع عاجزة عن تقديم
حلول عملية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة. هذه الخطابات تكتسب قوة من
وعودها الرمزية، لكنها سرعان ما تصطدم بواقع معقد يتطلب حلولًا مؤسساتية أكثر من الشعارات.
في النهاية، تكشف النماذج العربية أن التحدي الأكبر لا يكمن في إقصاء الدين أو
استبعاده من المجال العام، بل في إيجاد صيغة متوازنة تستطيع فيها الدولة المدنية
إنتاج خطاب بديل ذي قوة رمزية، يحافظ على التماسك الاجتماعي دون أن يسقط في فخ
"الكلام الفارغ". وبدون هذا التوازن، ستبقى الساحة عرضة لانتصارات
متكررة للخطابات الدينية أو الطائفية، مهما كان ضعفها على المستوى العملي، لأنها
تلبي حاجة الإنسان العميقة إلى اليقين والمعنى.
الخاتمة
تكشف قراءة لاكان عن "انتصار الدين" أن المسألة ليست مجرد جدل نظري
بين الدين والعقلانية، بل هي محاولة لفهم حاجة الإنسان الدائمة إلى خطاب يمنحه
معنى وطمأنينة في مواجهة قلق الوجود. الدين، بهذا المعنى، لا يختفي حتى مع التقدم
العلمي أو صعود العلمانية، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة لأنه يملأ فراغًا لا
تستطيع الفلسفة أو العلم سدّه بشكل كامل. هنا تكمن قوة أطروحة لاكان: في إدراكه أن
الرمزي أقوى من كل محاولات الاستبعاد.
لكن التجارب العربية أظهرت أن حضور الدين لا يعني دائمًا خلاصًا روحيًا أو
استقرارًا اجتماعيًا، بل قد يتحول إلى خطاب سلطوي أو أداة سياسية تغطي على الأزمات
بدل معالجتها. من تونس التي حاولت التوازن بين الرمزي والمدني، إلى مصر حيث انهار
الخطاب الديني الشعبوي أمام تعقيدات الواقع، وصولًا إلى لبنان حيث أصبح الدين
جزءًا من أزمة البنية السياسية نفسها—نرى أن "انتصار الدين" قد يأخذ
صورًا متعددة، بعضها يحمل بذور التعايش وبعضها يكرس الانقسام.
لذلك، فإن التحدي أمام المجتمعات العربية اليوم لا يكمن في الاختيار بين الدين
أو العلمانية بشكل صفري، بل في بناء صيغة مركبة تجمع بين قوة الدين الرمزية
والأخلاقية، وفعالية الإطار المدني القانوني الذي يضمن العدالة والتعددية. بدون
هذا التوازن، سنظل عالقين بين خطابات مطمئنة لكنها جوفاء، أو مشاريع عقلانية صلبة
لكنها منفصلة عن وجدان الناس. إن تجاوز هذا المأزق قد يكون المدخل الحقيقي لبناء
فضاء عام أكثر إنسانية، حيث لا يُقصى الدين ولا يُستغل سياسيًا، وحيث لا تتحول
العلمانية إلى أداة قطيعة بل إلى إطار يحتضن التنوع.
