شاهد // حسام الحداد يناقش أنثروبولوجيا العقل في الإسلام.. قراءة في مشروع علي مبروك النقدي
أنثروبولوجيا العقل في الإسلام
كتب: حسام البحيري
في واحدة من الحلقات السريعة التي يقدمها الكاتب والباحث في شؤون الإسلام السياسي حسام الحداد قام بمناقشة احدث كتاب للدكتور على مبروك والصادر مؤخرا بعنوان "أنثروبولوجيا العقل في الإسلام"، وهو محاولة جادة لتفكيك الكيفية التي تشكّل بها العقل العربي والإسلامي عبر التاريخ، وبيان المقدمات التي أوصلته إلى صورته الراهنة. ويأتي الكتاب امتدادًا لمشروع مبروك النقدي المعروف، الذي سعى دائمًا إلى تحرير التفكير الديني من الجمود ومن هيمنة قراءة واحدة على باقي القراءات.
وقال الحداد ان
مبروك يبيّن في تقديم أفكاره أن المقصود بـ الأصول الأنثروبولوجية للعقل في
الإسلام هو الأدوات والآليات التي تشكّلت عبرها طرائق التفكير التي سادت في تاريخ
المسلمين. وهنا يطرح نقطة محورية مفادها: لا وجود لما يُسمّى "العقل الإسلامي".
وإنما يوجد – في
رأيه – "العقل الذي ساد في الإسلام"، وهو فرق جوهري؛ إذ إن عبارة
"العقل الإسلامي" توحي بأن الإسلام فرض نمطًا واحدًا من التفكير على
الجميع، وهو أمر غير صحيح. فالتراث الإسلامي زاخر بمدارس فكرية متعددة ومتعارضة:
الأشاعرة، المعتزلة، الفلاسفة، الصوفية… إلا أنّ العقل الأشعري هو الذي تمكّن في
النهاية من الهيمنة واحتكار تمثيل الإسلام، حتى أصبح كل تفكير مختلف عنه يُنظر
إليه بوصفه غريبًا أو غير إسلامي.
واضاف الحداد أن مفهوم "العقل الإسلامي" عند علي
مبروك في ذاته مفهوم أيديولوجي وغير علمي،
رغم أن مفكرًا كبيرًا مثل محمد أركون اعتمده بشكل واسع. والمشكلة – كما يرى – أنّ
كثيرين يتعاملون مع العقل كأنه "هبة" ثابتة، بينما العقل في جوهره بنية
متحوّلة تتطور وفق شروط التاريخ والثقافة.
ويرى أن العقل
السائد حاليًا في المجتمعات العربية هو عقل نقلي، لا يميل إلى التفكير إلا إذا وجد
"أصلًا جاهزًا" يستند إليه؛ وهو امتداد مباشر لبنية العقل الأشعري.
ولهذا تظهر بين حين وآخر أفكار غريبة من قبيل: "لكي تكون حداثيًا لا بد أن
تعود إلى أصل جاهز"، وكأن الحداثة نفسها تحتاج إلى سند قديم!
ثم ينتقل مبروك
إلى دور البداوة في تشكيل العقل العربي، معتبرًا إياها أحد أهم مصادر تكوينه.
فالثقافة البدوية قائمة على الشفاهية والرواية والحفظ، وعلى التمسّك بالأصل
والنسب. ويذكّرنا برأي ابن خلدون الذي رأى أن تاريخ العرب يقوم في جوهره على
البداوة، وأن الإسلام حاول منذ البداية ترويضها… لكنه لم ينجح تمامًا، إذ بقيت
البداوة غالبة.
ويشير إلى أن
القرآن نفسه كان نقديًّا تجاه مفهوم الاتّباع الأعمى للآباء، وقد وردت الإشارة إلى
الآباء أكثر من عشرين مرة في سياق الرفض، مثل:
"إنا وجدنا آباءنا على أمة"،
و "قالوا
حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا"،
وكلها آيات
تهاجم الخضوع للتقليد.
ويؤكد مبروك أن
الإسلام جاء في الأساس لينقل الناس من ثقافة الحفظ إلى ثقافة الكتاب والتفكير؛
وليس من قبيل المصادفة أن يُسمّى القرآن "الكتاب". لقد كان هناك مشروع
للنهوض بالعرب من البداوة إلى مرحلة حضارية أعلى… إلا أنّ البداوة – كما يرى –
انتصرت في النهاية، واختُزل الدين في مجموعة من العبادات الشكلية، وتحجيب النساء،
واستخدام الدين كأداة للسيطرة والقمع السياسي.
ويرى أن الواقع
لن يتغيّر إلا إذا أعَدنا بناء علاقتنا بالتراث والدين، وأسسنا علاقة جديدة
بالعقل، علاقة تقوم على التفكير والتحرر.
وعند حديثه عن
صعود الإسلاميين إلى السلطة، يبيّن مبروك أنّ أمامهم تحديات كبيرة، وأن الخطر
الحقيقي يتمثّل في بقائهم أسرى للخطاب القديم الذي استنفد أغراضه. فلابد من إدراك
أن الزمن تغيّر، وأن المصطلحات التي تُستخدم كسلاح سياسي – مثل "الدولة
الدينية" و"الدولة المدنية" و"تطبيق الشريعة" – لم تعد
صالحة للإقصاء أو الشحن الأيديولوجي كما كانت من قبل.
ويختم مبروك
برؤية حاسمة:
إن مشكلة
الإسلام تاريخيًا أن السياسة غلبت على كل شيء.
ولا بد من الارتقاء
من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى الخلاف المعرفي؛ وهو ما يتطلب مناخًا مختلفًا
وطريقة جديدة في التفكير. وليس الهدف هدم الأصول، بل إعادة بناء علاقتنا بها على
نحو ناضج، حر، وعقلاني.
