محفوظ والحاره التي تغيرت ملامحها
في ذكرى مولده.. محفوظ والحاره التي تغيرت ملامحها
كتب: ابتهال عبد الوهاب
كأن نجيب محفوظ حين قال آفة حارتنا النسيان كان يضع إصبعه على الجرح الأول، ثم ترك لنا مهمة اكتشاف الجروح التي ستأتي بعده. وما أكثر ما جاء. لقد صارت حارتنا اليوم مثل مرآة صدئة لا تعكس وجوهنا بقدر ما تعكس عيوبنا، مرآة تفضح ما تهرب من أعماقنا: خواء الروح، وانكسار المعنى، وتحول الإنسان إلى ظل يطارد ذاته ولا يدركها
في ذكرى مولده،
يبدو محفوظ واقفا عند باب الحارة القديمة، يحدق في شوارعها التي تغيرت، في الوجوه
التي تشابهت حتى ضاعت ملامحها، وفي الأصوات التي ارتفعت بالشكوى وانخفضت بالحكمة.
لقد تضاعفت آفات
الحارة: صار النسيان يتقدم الموكب، يتبعه التخلف بخطى متقاربه، ثم يجيء النفاق في
ثياب الواعظ، والبغضاء في هيئة نصيحة، ونبذ المختلف في زي الفضيلة.
لم نعد نخطئ
فقط، بل فقدنا قدرة الاعتذار. لم نعد نختلف فقط، بل فقدنا أدب الاختلاف. لم نعد
نبحث عن الحقيقة، بل صرنا نتواطأ على إخفائها كي لا تربك صمتنا الذي اعتدناه
انقلبت بوصلة
القيم: ارتفع الذكاء وانخفض الوعي، ازدادت المعرفة وذبلت المشاعر، اتسعت الشاشات
وضاقت القلوب. صار الإنسان يرى كل شيء إلا نفسه، ويحكم على الجميع إلا ذاته، ويخاف
المجتمع أكثر مما يخاف ضميره.
أصبحنا نمارس
المجاملة كأنها فضيلة، ونرتدي الأقنعة كأنها هوية، ونطلب رضا الآخرين حتى لو خسرنا
أنفسنا. تخلّينا عن حرياتنا الصغيرة خوفا من عيون كبيرة، وتركنا أجنحتنا على
العتبة لنمشي في دروب مألوفة لا تخصنا.
أما التدين
الزائف فهو آفة الحارة التي تسمعنا صوت الله ولا تشعرنا بروحه، يعلمنا الطقوس
وينسى الرحمة، يبني المساجد وينسى الإنسان.
إيمان معلق على
الشفاه أكثر مما هو مستقر في القلوب؛ إيمان يبرر الكراهية باسم الغيرة على الدين،
ويصنع القسوة باسم الفضيلة
لكن آفة الحارة
الكبرى هي الجهل؛ الجهل الذي يزرع الخوف، ويخرس الحقيقة، ويجعل الإنسان يمشي خلف
القطيع وهو يظن أنه يختار
الجهل الذي
يجعلنا نراقب الآخرين بدل أن نراقب أنفسنا، ونحاسب المختلف بدل أن نراجع ما
اعتدناه، ونخاف الحرية لأنها تكشف عوراتنا، ونرفض الجمال لأنه يذكرنا بما فقدناه
من رهافة الروح.
في حضرة نجيب
محفوظ، ندرك أن الحارة ليست مكانا، بل حالة إنسانية. حارة نعيشها كل يوم داخل
أنفسنا: حين نخون حقيقتنا، حين نختار القناع بدل الوضوح، وحين نترك الخوف يحكم
خياراتنا.
ولعل أكبر تكريم
لمحفوظ ليس أن نضع الزهور على قبره، بل أن
نستعيد شجاعته في مواجهة البشر بما هم عليه، وأن نعيد للحارة قيمها الأولى:
الرحمة، الجمال، الحرية، احترام الإنسان لأنه إنسان.
فالحارة التي
أرادها محفوظ كانت تميل دوما للضوء، مهما طال الليل
ولكي تستعيد
الحارة عافيتها، لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى شجاعة:
شجاعة أن نرى
حقيقة أنفسنا، وأن نواجه ما نتهرب منه، وأن نعيد للإنسان مكانته، وللجمال حقه،
وللاختلاف قيمته، وللحرية هيبتها.
وإن كنا قد
أضعنا الطريق، فما زال في داخل كل واحد منا زقاق صغير ينتظر أن نضيء مصباحه من
جديد
في ذكرى مولد محفوظ، نكتشف أن الحارة ليست مكانا نعود
إليه، بل درسا ننهض به.
وأن أعظم تكريم
له هو أن نعيد للنور ما فقده، وللقيم ما غاب عنها، وللإنسان ما سلب منه: حقه في أن
يكون ذاته بلا خوف، وبلا قناع، وبلا جرح يتوارى خلف صمت طويل
الحقيقة أن
الحارة لا تحتاج إلى معجزات، بل إلى صرخة واحدة تقول: كفى.
كفى خوفا يشبه
السجون، وكفى صمتا يشبه الخيانة، وكفى أقنعة تذيب ملامحنا حتى نصبح نسخا باهتة لا
يعرف أحد أصلها من ظلها.
إن أقوى لحظة في
تاريخ أي حارة أي وطن، أي إنسان هي اللحظة التي يواجه فيها ذاته دون تبرير،
ويطرد الظلام من داخله قبل أن يلعن العتمة خارجه.
وعندها فقط
تتحول الآفات إلى دروس، والجهل إلى بداية وعي، والخوف إلى حافز للحرية
وهكذا، حين نضع
كلمات نجيب محفوظ أمام وجوهنا كمرآة أخيرة، ندرك الحقيقة القاسية: أننا لم نخطئ
الطريق، بل تخلينا عنه. لم نسقط فجأة، بل تآكلنا بصمت، حتى صار القناع عادة،
والجهل إرث، والخوف دستورا غير مكتوب
لكن الحارة. أي
حارة. لا تموت إلا إذا مات أهلها من الداخل. وما دامت فينا بقية وعي، وبصيص سؤال،
وشرارة رفض فإن الحارة يمكن أن تبعث من
جديد.
وما دام في
القلب صوت خافت يقول: هذا ليس ما نستحقه — فثمة أمل، وثمة بداية، وثمة حارة أخرى
تنتظر أن نعيد بناءها…
لا بالحجارة، بل
بالإنسان
