رئيس التحرير
فاروق بدير
مدير تحرير
حسام البحيري

logo

رئيس مجلس الإدارة: چون طلعت رئيس التحرير: فاروق بدير مدير تحرير: حسام البحيري

أهم الأنباء

رآي 2025-12-13 13:41:28

حامد عبد الصمد يكتب: في وداع محمد هاشم

نشر لي كتبًا كان من العسير أن تتجرأ أي دار نشر أخرى على الاقتراب منها

حامد عبد اصمد ومحمد هاشم

كتب: حامد عبد الصمد

كنتُ من أكثر من استفادوا من شغف محمد هاشم بالمغامرة. نشر لي كتبًا كان من العسير أن تتجرأ أي دار نشر أخرى على الاقتراب منها. كان يقرأ مخطوطة كتابي الجديد، يبتسم ابتسامته الماكرة، ويقول: "هتودينا في داهية يا حامد، كتابك فيه كلام يودّي السجن، وكلام يودّي نار جهنم… بس هننشر. يلعن أبوهم كلهم".

"يلعن أبوهم كلهم"، جملة كان يرددها هاشم كثيرًا وكانت بمثابة موقف أخلاقي ثابت: ازدراءً لكل سلطة، سياسية كانت أو دينية أو إعلامية، ورفضًا دائمًا للانحناء.

كان هاشم نموذجًا للمثقف الذي لا يعرف ولاءً إلا للحرية، ولا يساوم على الكتابة الجميلة، حتى وهو يدرك أن ثمن ذلك خسارات فادحة. كان يُعدّ نفسه دائمًا للأسوأ، ويختار الطريق الأصعب عن وعي، كأن الخسارة جزء من تعريفه لذاته.

حين نُشر كتاب "الفاشية الإسلامية" بالألمانية، ثم تُرجم إلى أكثر من ١٢ لغة، لم أفكر في نشره بالعربية لمعرفتي بقيود النشر في مصر في السنوات الأخيرة. لكن هاشم ألحَّ عليّ طويلًا، فقلت له: "أنا خايف عليك يا هاشم، أنا عايش في ألمانيا، محدش يقدر يعمل لي حاجة، لكنهم حيحاربوك انت، وممكن يقفلوا الدار". ضحك وقال: "ما تخافش يا جدع، أنا متعود على المشاكل".

كان يقول لي "يا جدع" حين يكون مزاجه رايق، و"يا حامد" عندما نختلف حول موضوع ما، و"يا أستاذ" لما يكون زعلان مني. نشر كتابي الجريء وحضر به معارض الكتب في مصر وخارجها، ومر الأمر بسلام وكأنها معجزة

لا أنسى أول مرة دخلتُ دار ميريت. استقبلني بابتسامة عريضة، ولفت انتباهي أنه يضع يده على صدره كثيرا، مرة ليرحب بالضيوف، ومرة ليترجاهم أن يشربوا شيئا ومرة ليشكرهم، ومرة ليعتذر عن شيء لا يستحق الاعتذار. راح يدور بي بين رفوف الكتب ويرشح لي أهم إصدارات الدار الفكرية والأدبية. نظرة واحدة إلى العناوين وأسماء الكتّاب كانت كافية لأفهم لماذا كانت ميريت دار نشر مختلفة، ولماذا كان الجميع يتمنى أن ينشر فيها. بعد دقائق شعرت بالألفة، وبأن هذا المكان فيه كل المقومات كي يعتبره الكاتب بيته. في دار ميريت، وفي خلال يومين فقط، تعرفت على خيري شلبي وسليمان الفهد وحمدي أبو جليل وهاني درويش وأحمد اللباد وأحمد فؤاد نجم ومحمود الورداني وحسن عبد الموجود وبلال فضل وأحمد العايدي ومحمد خير وإيهاب عبد الحميد ونائل الطوخي وأحمد مراد ولطفي لبيب وأحمد عبد العزيز ومحمود حميدة وسعيد طرابيك وغيرهم من المبدعين.

لكن علاقتي بهاشم لم تتوثق حقًا إلا في أيام ثورة يناير، حين كنت أنام في دار ميريت التي تحولت إلى واحد من مراكز الثورة. هناك كان مطربو الثورة، وكتابها، وفنانوها، وناشطوها. وكانت الدار لوقت قصير جدا مركز اعتقال لـ "أعداء الثورة". قبض بعض النشطاء المتحمسين على بعض بلطجية معركة الجمل واقتادوهم إلى الدار، ورأى البعض ضرورة احتجازهم حتى لا يعاودوا الهجوم على الثوار. وحين جاء هاشم وعُرض عليه الأمر، قال ببساطة موجعة: "سيبوهم… دول غلابة زيّنا".

لم يقبل هاشم أن يتحول، ولو للحظة، إلى نسخة من جلاده.

لم يكن هاشم قديسًا، وكان له ما له من هنات ونقاط ضعف، نعرفها جميعًا ونتجاوزها، لا بدافع المحبة وحدها، بل لأننا كنا ندرك أن طبيعته الثائرة المتمردة، المتصعلكة على طريقتها الخاصة، عصيّة على التغيير. كان يجمع كل خصال البطل التراجيدي الذي به من النبل ما يجعلك تتعاطف معه، وبه من الخلل ما يجعل سقوطه حتميا. كان بطلا تراجيديا لأن الشيء الذي كان يغديه ويشعل حبه للحياة هو ذاته الشيء الذي يستنزف طاقته ويفقده البوصلة. أحيانًا كنت أشعر أنه قطار سريع بلا فرامل: يمضي إلى الأمام بشراسة، لكنه محكوم عليه بالاصطدام. كان هناك شيء يدفعه دائمًا، شيء يشبه نزعة تدمير الذات، كأنه يقدّم نفسه قربانًا لمعنى لا يعرفه تمامًا، كأنه يبحث في موته البطيء عن معنى.

وما آلت إليه دار ميريت في السنوات الأخيرة، من تهميش مؤلم وانحسار قاسٍ، ليس سوى مرآة لحال مصر بعد ثورة يناير، ولما فعلته الثورة بنفسها وبأبنائها.

برحيل محمد هاشم، أفقد ناشري الجريء المشاكس والصديق الذي لا يشبهه أحد. نفقد جميعا سلالة نادرة من الرجال الذين آمنوا بأن الكلمة تستحق أن ندفع ثمنها كاملًا، حتى النهاية.

الكلمات المفتاحية:


الاكثر قراءة

تخفيض اجرة السوزوكي في مدينة الشروق .. تعرف على السعر الجديد تشغيل خطوط سير داخلية جديدة في مدينة الشروق "بتوقيت ماما" حملة أطلقها طلاب بإعلام القاهرة للتوعية بمراحل الحمل مسلسل سيد الناس بطولة عمرو سعد في رمضان ٢٠٢٥

رٱي

صبحي موسى يكتب: اتركوا لنا السعدني بجنونه العبثية في العالم الحديث: بين فوضى الواقع وحاجة الإيمان الإكراه المقدّس: أخطر أشكال الطاغوت عبد الرحيم علي يكتب: البتاعة والبتاع… وعبقرية الأبنودي