لاهوت حارتنا: نحو تأصيل لاهوتٍ مصريّ من عالم نجيب محفوظ
لماذا نجيب محفوظ مهمّ لاهوتيًّا؟
كتب: الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
نجيب محفوظ، كما هو معروف لم يشتغل باللاهوت، إلّا أنّه يُعدّ من أعمق الكتّاب الذين اشتبكوا مع مسألة الإنسان والشرّ والحرّيّة والسلطة والعدالة، والمصير، والبحث عن المعنى. هذه القضايا ليست حكرًا على الأدب، بل هي قلب علم اللاهوت نفسه. ويمكن لقارئ محفوظ أن يرى بوضوحٍ أنّ محفوظًا مارس أنثروبولوجيا روائيّة تشبه ما يفعله اللاهوتي: كشف البنية العميقة للإنسان، وركز محفوظ عل الإنسان المصري وهمومه وتطلّعاته، وخطايا المجتمع وإمكانات الخلاص. لهذا، تُعَدّ رواياته مادّة بكر فريدة لإنتاج لاهوتٍ سياقيّ مصريّ معاصر.
الحارة موضع التفكير اللاهوتي: صورة الشعب وتجسّد الله
في التاريخ
الحارة المحفوظيّة ليست ديكورًا روائيًا، إنها المكان
الرمزيّ للإنسان المصريّ.
ففيها صورةٌ مصغّرة للبشريّة. الامتزاج بين الفقر
والكرامة، والسلطة والعنف
القداسة والشرّ، والدين الشعبي والبحث الوجوديّ
الفلسفيّ، ونسبيّة الأخلاق، والخطيئة الجماعية أو المجتمعيّة.
من منظور علم اللاهوت، يمكن النظر إلى الحارة على
أنّها “الأرض المقدّسة” التي يمشي فيها الله
ويتجلّى من خلال الوجوه المقهورة والمهمّشة. علم اللاهوت هنا لا يبدأ في الكنيسة،
أو في المكاتب المكيّفة، بل في درب الميضة، وحارة السدرة، وخان الخليلي.
يسعي محفوظ إلى إظهار أنّ خلاص الإنسان لا يأتي من فوق
بطريقة عجائبيّة، بل من صراع الإنسان اليومي مع الشرّ، ومن تحوّلات القلب وسط
الألم. فمحفوظ يضع الإنسان دائمًا أمام اختيار: هل هو صانع مصيرَه؟ أم ضحيّة قدرٍ
أعمى؟
هذا الجدل على سبيل المثال يتلاقي مع اللاهوت الأخلاقي،
فنراه في: اللص والكلاب: الحرّية الملوّثة والعدالة الغائبة. ميرامار: صراع
الإرادة والخطيئة والبحث عن خلاص جماعي. أولاد حارتنا: الشرّ البنيوي واستبداد
القوّة.
يقدّم محفوظ مدخلًا للاهوت مصريّ يقول:
الشرّ ليس فكرة تجريدية، بل نظامٌ اجتماعيّ واقتصاديّ
وثقافي يتجسّد في البُنى وفي الوجوه. وهذا قريبٌ من لاهوت التحرير اللاتينيّ الذي
يرى الشرّ “بُنيويًا”.
وماذا عن الإنسان؟ الإنسان مُقيَّد بسياقه ولكن لديه
قدرة على التغيير ويمكن للنعمة (بالمعنى الواسع) أن تتجلّى حتّى في الأماكن
المُظلمة.شخصيّات محفوظ في رواياته تذكّر
بأنّ نعمة الله قد تعمل عبر الهامش لا المركز، عبر الشحّاذ، والسكّير، والمقهور،
والمهمّش.
