رئيس التحرير
فاروق بدير
مدير تحرير
حسام البحيري

logo

رئيس مجلس الإدارة: چون طلعت رئيس التحرير: فاروق بدير مدير تحرير: حسام البحيري

أهم الأنباء

فنون 2025-12-15 21:21:07

بيتٌ من لحم: الجسد، الصمت، والذاكرة الخطِرة

قراءةٌ لاهوتيّة في قصّة يوسف إدريس

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

كتب: الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

 

لا يكتب يوسف إدريس ولا نجيب محفوظ ليدافعا عن الله، ولا ليهاجماه. كلاهما يفعل أمرًا مهمًّا: يضع الله، والسلطة، والمجتمع، والضمير الإنسانيّ في موضع السؤال. وفي هذا المعنى، لا يعود الأدب مجرّد حكاية، بل يتحوّل إلى ما سمّاه اللاهوتيّ الألمانيّ يوهان بابتست متس «ذاكرة خطِرة»؛ ذاكرة ترفض النسيان، وتقاوم التبرير، وتفضح كلّ خطاب يريد أن يجعل الألم مقبولًا، أو مفهومًا، أو ضروريًّا.

في فصل «أدهم» من أولاد حارتنا، يبدأ نجيب محفوظ من صورة الإنسان الذي لم يرتكب خطيئةً واضحة، لكنّه يُلقى خارج «البيت الكبير»، خارج الحماية، وخارج المعنى. أدهم ليس ثائرًا، ولا متمرّدًا، ولا صاحب مشروع. إنّه إنسان وُجد في موضع لا يسمح له أن يكون. ومع ذلك، يُطالَب بالصمت والطاعة، ويُقدَّم ألمُه بوصفه جزءًا من نظام ٍكونيّ لا يُسأل. الطرد هنا لا يُبرَّر، ولا يُشرح، ولا يُراجَع؛ بل يُفرض، ويُترك الإنسان ليحمل تبعاته وحده.

لكن إذا كان محفوظ قد صاغ هذا السؤال في لغة الرمز والأسطورة، فإنّ يوسف إدريس ينقله إلى أقصى درجات القرب والاختناق في قصّته القصيرة بيت من لحم. لا بيت هنا بالمعنى الآمن، بل غرفةٌ ضيّقة، معتمة، خانقة. لا خطاب دينيّ، ولا سلطة كبرى، ولا وعد بالخلاص. فقط أجسادٌ أنثويّةٌ حيّة، محاصَرةٌ بالفقر والصمت والانتظار.

الأجساد في بيت من لحم لا تُقدَّم بوصفها موضوعَ شهوة، بل بوصفها لغةً مكتومة للشوق الإنسانيّ المشروع. إنّها أجسادٌ تريد أن تُرى، أن تُحبّ، أن تعطي الحياة، لا بمعناها البيولوجيّ فقط، بل بمعناها الوجوديّ أيضًا. يوسف إدريس لا يكتب عن الرغبة، بل عن القلق: قلق الكائن حين يُحرم من الاعتراف به، وحين تتحوّل الحياة نفسها إلى عائق أمام الحياة.

وهنا يمكن القول إنّ ما يفعله يوسف إدريس في هذه القصّة يطابق، من حيث لا يقصد التنظير، ذلك الفهم العميق للجسد بوصفه جوهر الوجود الإنسانيّ. فالجسد عند إدريس ليس غلافًا خارجيًّا، ولا أداةً للاستعمال، ولا موضوعًا للرغبة فحسب، بل هو المكان الذي تظهر فيه الذات، وتُختبَر فيه العلاقة، ويُقاس فيه مقدار الاعتراف أو الحرمان. بهذا المعنى، ينطبق على كتابة إدريس توصيفٌ اللاهوتيّ إدوارد سخلبيكس للجسد بوصفه "الحقيقة التي نكونها"، لا الشيء الذي نملكه. الإنسان لا يحيا خارج جسده، ولا يلتقي بالآخر إلا من خلاله، ولا يُهان إلّا عبره. ولذلك، حين يُحبَس الجسد في صمتٍ مفروض، أو يُختزل إلى وظيفةٍ صامتة، فإنّ ما يُنتهك ليس الأخلاق ولا الجسد المادّي وحده، بل الإنسان في كليّته. هذا الانتهاك في بيت من لحم لا يتحدث بالعنف المباشر، ولا بالضرب أو الإكراه، بل بوسائل أكثر قسوة: الفقر، وضيق المكان، واستمرار الصمت، واتفاق الجميع على ألّا يُقال ما يُعرَف.

الفقر في بيت من لحم ليس نقصًا في المال فحسب، بل أيضًا نظامًا كاملًا لخنق المعنى. إنّه الفقر الذي يمنع الحبّ من أن يحدث، ويمنع الكلام من أن يُقال، ويمنع حتّى الخطيئة من أن تُسمّى. هذا ما يسمّيه عالم اللاهوت الألمانيّ متس «العنف البنيويّ»: الشرّ الذي لا يصرخ، ولا يلطِّخ يديه بالدم، لكنّه يصنع شروط حياةٍ لا تُطاق، ثمّ يطلب من الضحايا أن يتكيّفوا معها.

في هذا السياق تظهر شخصيّة الأمّ، لا بوصفها شريرةً، ولا بوصفها بريئةً، بل بوصفها كائنًا محاصرًا داخل مأزقٍ أخلاقيٍّ مغلق. الأمّ شريكة في الوضع، نعم، لكنّ شراكتها هي ثمرة العجز لا القصد. يوسف إدريس لا يدينها، ولا يبرّئها؛ بل يضعها في قلب المأساة، حيث لا يعود الصمت فضيلة، ولا الكلام ممكنًا، ولا الفعل متاحًا.

حين تستعيد الأم جسدَها وحياتها بالزواج، لا تفعل ذلك ضدّ بناتها، ولا على حسابهنّ بوعيٍ أخلاقيّ. إنّها تفعل ما يفعله إنسانٌ مسحوق حين تُفتح له فجأةً نافذة حياة في جدارٍ خانق. الحياة هنا لا تُمنح للجميع، ولا تُقسَّم بعدالة. وما يبدو أنانيّةً ليس سوى تشبّث يائس بالحياة داخل نظام لا يسمح إلّا بنجاةٍ فرديّة.

وحين تصمت الأمّ في النهاية، لا يكون صمتها خضوعًا ولا تواطؤًا، بل لحظة انهيار اللغة نفسها. إنّه الصمت الذي يلي اكتشاف أنّ كلّ الكلمات جاءت متأخرة، وأنّ ما حدث لم يعد قابلًا للتسمية. هذا الصمت ليس حلًّا، لكنّه أيضًا يتساءل مع القارئ إن كان جريمةً. إنّه اعترافٌ بلا كلام، وجرحٌ بلا خطاب، وتوبةٌ لا تطلب غفرانًا لأنّها لا تعرف ممّن تطلبه.

أمّا الرجل الكفيف، فليس مجرّد شخصيّة مأساوية، بل نموذجٌ أخلاقيّ خطير. إنّه الإنسان الذي يحوّل عجزه إلى ذريعة. يقول لنفسه إنّه لا يرى، ومن ثمّ لا يُسأل. لكنّ اللاهوت الذي يقف هنا لا يمنحه هذا العذر: العمى لا يُعفي من المسؤوليّة، بل يجعل الإصغاء واجبًا مضاعفًا. صمته ليس خشوعًا، بل خوفٌ من الحقيقة، وخوفٌ من انهيار البناء الهشّ الذي أُقيم فوق الإنكار.

الخاتم، رمز العهد، يتحوّل في القصّة إلى علامة اتّفاقٍ صامت. علاقةٌ بلا اسم، بلا مواجهة، بلا نور. الصمت يصبح قانونًا غير مكتوب، يعرفه الجميع ويخضعون له. وهذا هو أخطر أنواع الصمت: الصمت الذي يشترك فيه الجميع وهم يعلمون أنّه كاذب، لكنّهم يفضّلونه على الحقيقة، لأنّ الحقيقة تهدّد ما تبقّى من توازنٍ زائف.

وهنا يعود السؤال الذي بدأ مع أدهم في رواية محفوظ: هل يمكن تبرير الألم؟ هل يمكن تحويل القهر إلى قَدَر، أو الصمت إلى حكمة، أو الفقر إلى فضيلة؟ متس يرفض هذا كلّه رفضًا قاطعًا. الذاكرة الخطِرة، في اللاهوت كما في الأدب، هي الذاكرة التي ترفض المصالحة السهلة مع الواقع، والتي تصرّ على أنّ الألم الذي لا يُسمَّى يتحوّل إلى نظام، وأنّ الصمت الذي لا يُكسر يصير شريعة.

أدب يوسف إدريس، على غرار محفوظ، لا يقدّم حلولًا دينيّة، ولا يكتب ضدّ الدين. إنّه يفعل ما هو أعمق وأكثر ألمًا: يمنع التبرير. يرفض أن يُقال للإنسان إنّ ألمه مفهوم، أو ضروريّ، أو مؤجَّل التعويض. وفي هذا الرفض، يصبح الأدب فعلًا لاهوتيًّا بامتياز، لأنّه يعيد مسألة الله إلى موقع السؤال، لا إلى موقع الذريعة أو التبرير، على أنّه حلٌّ سهل.

الله، في هذا الأفق، لا يظهر في السماء، بل في الغرفة المعتمة، وفي الجسد الجائع، وفي الصمت الذي يصرخ. وأيّ خطابٍ دينيّ لا يمرّ من هنا، لا من أدهم المطرود، ولا من بنات بيت من لحم، هو خطابٌ مريح، لكنه غير صادق لأنّه يتجاهل سرّ الإنسان في جسدانيّته وواقعه المأسويّ.

 

الكلمات المفتاحية:


الاكثر قراءة

تخفيض اجرة السوزوكي في مدينة الشروق .. تعرف على السعر الجديد تشغيل خطوط سير داخلية جديدة في مدينة الشروق "بتوقيت ماما" حملة أطلقها طلاب بإعلام القاهرة للتوعية بمراحل الحمل مسلسل سيد الناس بطولة عمرو سعد في رمضان ٢٠٢٥

رٱي

صبحي موسى يكتب: اتركوا لنا السعدني بجنونه العبثية في العالم الحديث: بين فوضى الواقع وحاجة الإيمان الإكراه المقدّس: أخطر أشكال الطاغوت عبد الرحيم علي يكتب: البتاعة والبتاع… وعبقرية الأبنودي