رئيس التحرير
فاروق بدير
مدير تحرير
حسام البحيري

logo

رئيس مجلس الإدارة: چون طلعت رئيس التحرير: فاروق بدير مدير تحرير: حسام البحيري

أهم الأنباء

أخبار العالم 2025-12-16 13:57:51

ورقة الصين… بين الابتزاز السياسي وحرب الرسائل الكبرى

قراءة نقدية في “القنبلة الاستخباراتية” الروسية

ورقة الصين

كتب: حسام الحداد

في توقيت بالغ الحساسية من الصراع الدولي، أطلق جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي (SVR) رواية مثيرة: أوروبا تلوّح بورقة الصين للضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومنع واشنطن من تمرير تسوية في أوكرانيا لا تراعي المصالح الأوروبية. رواية تحمل في ظاهرها “قنبلة جيوسياسية”، لكنها في جوهرها تستحق قراءة أكثر هدوءًا ونقدًا، تتجاوز العناوين الصاخبة إلى تفكيك الدوافع والسياقات.

أولًا: من المستفيد من تسريب كهذا؟
لا ينطلق السؤال التحليلي الصحيح من التحقق السطحي من مدى صحة الرواية، بقدر ما ينطلق من تفكيك الغاية من تداولها أصلًا. فالقضية ليست ما إذا كانت أوروبا تفكر فعلًا في استخدام ورقة الصين، بل من يريد ترسيخ هذه الفكرة في وعي الرأي العام وصنّاع القرار. في حروب العصر الحديث، لا تُطلق المعلومات عبثًا، بل تُصاغ بعناية لتوجيه الإدراك وصناعة الشك، وهو ما يجعل أي تسريب استخباراتي حدثًا سياسيًا بامتياز، لا مجرد خبر عابر.
جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي (SVR) لا يمكن النظر إليه كمصدر محايد أو مراقب من بعيد، بل هو طرف أصيل في الصراع الدائر حول أوكرانيا، وأحد أدوات الكرملين في إدارة المواجهة مع الغرب. وبالتالي فإن أي رواية تصدر عنه يجب أن تُقرأ ضمن إطار الحرب المفتوحة بين موسكو وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى. فالاستخبارات هنا لا تنقل واقعًا بقدر ما تساهم في تشكيله، وتوجيه تفسيره بما يخدم أهداف الدولة التي تقف خلفها.
ترويج فكرة أن أوروبا “تبتز” واشنطن بورقة الصين يحقق لموسكو مكاسب استراتيجية واضحة. أول هذه المكاسب هو زرع الشك داخل المعسكر الغربي، عبر الإيحاء بوجود تصدعات عميقة في العلاقة بين ضفتي الأطلسي، وتضارب في المصالح بين أوروبا والولايات المتحدة حول ملفات كبرى كأوكرانيا والأمن الدولي. فإظهار الحلف الغربي ككيان متشقق يضعف صورته الردعية، ويمنح روسيا هامش مناورة أوسع سياسيًا ودبلوماسيًا.
أما المكسب الثاني، فهو تلميع صورة روسيا كطرف أقل عزلة مما يُروَّج له، عبر تصوير الغرب باعتباره كتلة مضطربة ومتناقضة المصالح. فإذا بدا الحلفاء الغربيون منقسمين ومتوجسين من بعضهم، تراجعت صورة “الجبهة الموحدة” التي تحاول واشنطن تسويقها. ومن هنا، لا يمكن فصل هذا التسريب عن حرب المعلومات المتصاعدة، حيث تتحول الاستخبارات من أداة جمع بيانات إلى سلاح سياسي يُستخدم لإرباك الخصوم، وإعادة رسم موازين القوة على مستوى الإدراك قبل الواقع.

ثانيًا: هل تملك أوروبا فعليًا “سلاح الصين”؟
على المستوى النظري، تبدو الصين ورقة ضغط مغرية في يد أوروبا، إن لم تكن سلاحًا مكتمل الأركان. فالاتحاد الأوروبي يُعد أحد أكبر الشركاء التجاريين لبكين، وحجم التبادل الاقتصادي بين الطرفين يمنح العواصم الأوروبية هامشًا لا بأس به للمناورة. كما أن صعود النزعات الحمائية الأميركية، واحتمال عودة سياسات ترامب القائمة على “أميركا أولًا”، يدفع بعض الدوائر الأوروبية للتفكير في تنويع الشراكات الاقتصادية، والبحث عن توازن يقلل من الارتهان الكامل للسوق الأميركية.
غير أن هذا التصور يصطدم سريعًا بجدار التناقضات القيمية والسياسية. فالاتحاد الأوروبي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية والخارجية على خطاب حقوق الإنسان والديمقراطية، وهو خطاب يصعب التوفيق بينه وبين النموذج الصيني القائم على أولوية الدولة والحزب الواحد، وتقييد الحريات. ورغم محاولات بعض الحكومات الأوروبية الفصل بين الاقتصاد والقيم، فإن الرأي العام والمؤسسات الأوروبية ما زالت تمثل عامل ضغط حقيقي يمنع الذهاب بعيدًا في شراكة سياسية عميقة مع بكين.
إلى جانب ذلك، يظل الاعتماد الأمني الأوروبي على الولايات المتحدة عائقًا بنيويًا أمام أي “انجراف” حقيقي نحو الصين. فالمظلة العسكرية الأميركية، عبر حلف الناتو، ما زالت تشكل العمود الفقري لأمن القارة، خصوصًا في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التهديد الروسي. لا تستطيع أوروبا، في المدى المنظور، تعويض هذا الدور الأميركي أو استبداله بشراكة أمنية بديلة، لا مع الصين ولا مع أي قوة أخرى، وهو ما يجعل أي تحدٍّ مباشر لواشنطن محفوفًا بالمخاطر.
وتعزز التجربة السابقة حدود هذا الخيار. فقد أظهرت أزمة اتفاق الاستثمار الشامل بين الاتحاد الأوروبي والصين (CAI)، الذي جرى التوصل إليه ثم جُمّد تحت ضغط سياسي أميركي وأوروبي داخلي، مدى هشاشة الاستقلال الأوروبي عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية الكبرى. لذلك، تبدو الصين في الحسابات الأوروبية ورقة ضغط ورسالة سياسية أكثر منها بديلًا استراتيجيًا كاملًا. هي أداة لتحسين شروط التفاوض مع واشنطن، لا مسارًا يمكن لأوروبا أن تسلكه حتى نهايته.

ثالثًا: ترامب… والابتزاز المتبادل
إذا افترضنا صحة الرواية المتداولة، فإنها لا تعكس بالضرورة ضعفًا أوروبيًا بقدر ما تكشف حجم القلق المتراكم داخل العواصم الأوروبية من احتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فالتجربة السابقة مع إدارته تركت أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الأوروبي، حيث بدا الحلف الأطلسي في عهده أقرب إلى علاقة تجارية قائمة على الحساب والخسارة، لا شراكة استراتيجية قائمة على القيم والمصالح طويلة الأمد. هذا القلق لا ينبع من شخص ترامب فقط، بل من نمط حكم كامل قد يعود ليُعيد تعريف العلاقة مع أوروبا بصورة أكثر قسوة وبراغماتية.
خلال ولايته السابقة، تعامل ترامب مع الحلفاء الأوروبيين بمنطق “الدفع مقابل الحماية”، محمّلًا أوروبا مسؤولية أكبر عن تمويل دفاعها وأمنها، ومهددًا ضمنيًا بتقليص الالتزام الأميركي إذا لم تلتزم دول الناتو برفع إنفاقها العسكري. كما فضّل عقد الصفقات الكبرى السريعة على حساب بناء تحالفات مستقرة، وهو ما جعل الأوروبيين يشعرون بأنهم قد يتحولون، في أي لحظة، إلى ورقة تفاوض في معادلات أميركية أوسع، لا سيما في الملفات الاقتصادية والأمنية.
وتتجلى هذه المخاوف بوضوح في الملف الأوكراني. فترامب لطالما نظر إلى أوكرانيا باعتبارها ورقة تفاوض قابلة للمساومة، لا قضية مبدئية تتعلق بأمن أوروبا واستقرارها. هذا المنظور يثير قلقًا بالغًا في القارة العجوز، التي ترى في أي تسوية غير متوازنة خطرًا مباشرًا على أمنها الاستراتيجي. ومن هنا، يصبح التلويح بورقة الصين أشبه برسالة استباقية لواشنطن مفادها أن أوروبا ليست بلا خيارات، وأن تجاهل مصالحها قد يدفعها للبحث عن هوامش مناورة جديدة، ولو على مستوى الخطاب السياسي.
غير أن المفارقة تكمن في أن ترامب نفسه قد لا يتعامل مع هذا التلويح بوصفه تهديدًا فعليًا، بل قد يحوّله إلى أداة في خطابه السياسي. فالرجل اعتاد توظيف “الخطر الصيني” لتبرير سياسات أكثر تشددًا، ليس فقط تجاه بكين، بل أيضًا تجاه الحلفاء الذين يتهمهم بالاستفادة من الولايات المتحدة دون مقابل عادل. وفي هذه الحالة، قد ينقلب “الابتزاز المتبادل” إلى ذريعة جديدة لمزيد من الضغوط الأميركية على أوروبا، بدل أن يكون وسيلة لردعها.

رابعًا: هل نحن أمام تحول جيوسياسي حقيقي؟
رغم الزخم الإعلامي المصاحب لمثل هذه التسريبات والتحليلات، فإن الحديث عن “تحول جيوسياسي غير مسبوق” يبدو أقرب إلى التهويل منه إلى الوصف الدقيق للواقع. فما يجري اليوم لا يشير إلى انقلاب جذري في موازين التحالفات، بقدر ما يعكس حالة سيولة وإعادة ضبط داخل النظام الغربي نفسه. التحولات الكبرى عادة ما تكون بطيئة وتراكمية، بينما المشهد الراهن يوحي بتحركات محسوبة تهدف إلى تحسين المواقع التفاوضية، لا إلى كسر البنية القائمة للتحالفات.
في هذا السياق، يمكن فهم السلوك الأوروبي على أنه إعادة تموضع تكتيكي لا أكثر. أوروبا تحاول توسيع هامش حركتها السياسية والاقتصادية، وإرسال إشارات بأنها لاعب له مصالح مستقلة يجب أخذها في الاعتبار. لكن هذه التحركات لا ترقى إلى مستوى الانفصال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، إذ تظل الروابط المؤسسية والعسكرية والاقتصادية بين الطرفين أعمق من أن تُفكك بورقة ضغط واحدة، مهما بدت لافتة في ظاهرها.
في العمق، نحن أمام صراع داخل المعسكر الغربي حول من يمتلك حق صياغة التسويات الكبرى، وعلى رأسها مستقبل الحرب في أوكرانيا. فالولايات المتحدة تميل إلى مقاربة براغماتية توازن بين كلفة الدعم والمكاسب السياسية، بينما تنظر أوروبا إلى الصراع من زاوية أمنية وجودية تمس استقرارها المباشر. هذا التباين في الرؤى لا يعني انقسامًا، لكنه يكشف تنافسًا خفيًا على القيادة وتحديد الأولويات داخل التحالف.
أما استخدام أوراق مثل الصين، والتجارة، والطاقة، فيندرج ضمن لعبة الضغط المتبادل لا أكثر. هي أدوات رمزية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض وإعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة الغربية. فأوروبا لا تملك رفاهية كسر الجسور مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته لم تعد مستعدة للعب دور التابع الصامت الذي يكتفي بتلقي القرارات. وبين هذين الحدين، تتشكل مرحلة انتقالية عنوانها الأبرز: شدّ الحبل داخل التحالف، لا انهياره.

خلاصة نقدية
سواء كانت رواية الـSVR دقيقة أو جزءًا من حرب نفسية، فهي تكشف حقيقة أعمق: العلاقة عبر الأطلسي تدخل مرحلة اختبار قاسٍ.
أوروبا تحاول توسيع هامش استقلالها، وواشنطن – خاصة في عهد ترامب – تميل إلى فرض إرادتها، بينما تقف الصين في المنتصف كـ”فزاعة” أو “بديل افتراضي”.
أما روسيا، فهي المستفيد الأول من تضخيم هذا المشهد، لأنها كلما بدت أوروبا وأميركا على طرفي نقيض، اقتربت موسكو خطوة من كسر العزلة.
ليست المسألة إذن “ابتزازًا أوروبيًا”، بل لعبة أمم معقدة، عنوانها الحقيقي: من يكتب شروط النظام الدولي القادم؟

الكلمات المفتاحية:


الاكثر قراءة

تخفيض اجرة السوزوكي في مدينة الشروق .. تعرف على السعر الجديد تشغيل خطوط سير داخلية جديدة في مدينة الشروق "بتوقيت ماما" حملة أطلقها طلاب بإعلام القاهرة للتوعية بمراحل الحمل مسلسل سيد الناس بطولة عمرو سعد في رمضان ٢٠٢٥

رٱي

صبحي موسى يكتب: اتركوا لنا السعدني بجنونه العبثية في العالم الحديث: بين فوضى الواقع وحاجة الإيمان الإكراه المقدّس: أخطر أشكال الطاغوت عبد الرحيم علي يكتب: البتاعة والبتاع… وعبقرية الأبنودي