المنتقبه والسلفي
كتب: فاطمة عبدالجواد
قالت له، وكأنها تتشبث بآخر ما تبقّى لها من يقين:
لا تترك يدي…
ليس لي غيرك.
لم يكن صوتها
واضحًا، خرج مرتجفًا، خائفًا من أن يسمعه أحد، أو أن لا يسمعه هو.
نظر إليها نظرة
عابرة، لا تحمل وعدًا بالبقاء ثم قبض على يدها بقسوة. محاولة إغلاق بابٍا
للحديث أرادت فتحه. صعدا الباص معًا،
متلاصقين جسدا متباعدين روحا، كأن بينهما مسافة لا تقطعها الطرق ولا الرحلات.
جلست بجواره،
بينما قلبها مازال واقفًا عند اللحظة التي توسلت فيها إليه ألا يترك يدها. لم
تهدأ. كانت المرأة الجالسة أمامهما، بتلك الثقة المتصلبة في ملامحها، كافية لأن
توقظ في صدرها طوفانا من الشكوك. شعرت أن وجودها تهديد، حتى وإن لم تفعل شيئًا،
حتى وإن لم تنظر إليه.
مالت عليه
قليلًا، وقالت بصوتٍ اختلط فيه الرجاء بالاتهام:
من تلك؟
سكتت لحظة، ثم
أضافت، كأنها تخشى الإجابة:
أما زلت تخونني؟
ألا أكفيك؟ ألا
يكفيك أن تعرف ما الذي يعصبني ويكسرني
كان الصمت رده
الوحيد. لم يعرها اهتماما لم يلتفت إليها،
مختفظا بنفس الصمت وتعبيرات الوجه ، و بإصبعه يلهو فوق شاشة الهاتف.
انتابها شعور بالخذلان
وانها تتحدث
إلى نسخة لا تشبه ذلك الرجل الذي أحبته يومًا.
حاولت أن
تستفزه، أن تدفعه إلى أي رد، حتى لو كان قاسيًا، حاولت لفت نظره كي ينظر لها
اصرارا منها أن يراها.
ثم
استسلمت.للجلوس الصامت بمقعدها، وتركت
راسهت لينحنى قليلًا، ثم انفجرت باكية
،و كأن ضعفها
قرر أن يفضحها أمام الجميع وهي التي . لم تبكِ هكذا قط .لكن وجع الجخود
والخذلان كان اكبر من احتمالها فقد سحقها
بتجاهله عمدا لها
انهارت من هذا الإقصاء الصامت الذي يقتلها
ببطء.
كان وجهه كتمثال
صخري متجهم، صامت، عيناه معلقتان بالهاتف،
كأن العالم الحقيقي لا يستحق النظر
. ومع أول حركة للباص، شعرت أن شيئًا ما داخلها
تحرك أيضًا. تحركت ذاكرتها، وبدأت الرحلة الحقيقية.
تذكرت كل ما
فعلته لأجله. تنازلاتها الصغيرة حتي تنازلت طوعا عما هو اكبر ، صبرها الذي استُهلك
وذهب سدى ، محاولاتها المستمرة لإنقاذ علاقة لم يعد هو يرغب في إنقاذها. شعرت أن
كل شيء ذهب هباءً، كأنها كانت تملأ إناءً مثقوبًا ولا أحد أخبرها ما يفعله الآن لم
يكن مجرد برود. كان انسحابًا واضحًا، خطوة محسوبة نحو النهاية، نهاية لا يريد
إعلانها. أراد أن تنتهي العلاقة وحدها، دون مواجهة، دون اعتراف. كانت الحقيقة
جليه إلى حدٍ مؤلم، حاولت ان تتجاهل
مايبديه ومااراد ان يوصلها له محدثة نفسها
بصوتٍ خافت:
ماذا لو عرفت؟
ماذا سأفعل إن
تأكدت؟
كيف أعش بدونه؟…
ساتمسك بقشة الامل الذائفه حتى وهو يقتلني...ساتجاهل ذلك ربما بقي ولم يرحل
اهتز الباص بعنف
بفعل الطريق المتهالك، فاهتز جسدها، واهتز معه شيء أعمق. حياتها كلها بدت كهذا
الطريق: حفر، مطبات، ولا نهاية واضحة. ازداد بكاؤها، ولم تحاول هذه المرة إخفاءه.
لم تعد تملك طاقة للتظاهر بالقوة.
نظر إليها
أخيرًا. نظرة سريعة، جانبية، بلا دفء. ثم قال، كأنه يلقي حجرًا في بئرٍ فارغ:
كانت رحلة
سيئةبرفقتك
لم تجبه. مسحت
دموعها بيدٍها المرتعشة، وجففت عينيها كما لو أنها تلقت أمرًا إلهيا .
الغريب أن قلبها ارتاح قليلًا. أي كلام
منه حتى المهين كان أفضل من هذا الصمت القاتل. كلماته، رغم
قسوتها، أكدت لها أنها ما زالت موجودة، ما زالت تُرى، ولو على سبيل السخرية.
أخرجت السماعة
من حقيبتها، وضعتها في أذنها، وهربت إلى عالم آخر. انساب صوت أم كلثوم عميقًا،
حنونًا، يقول:
أعطني حريتي…
أطلق يديَّ…
كادت تضحك. أي
حرية؟
هي لا تريد
الحرية.
لا تريد أن
تُطلق يدها.
هي تريده هو،
بكل ما فيه، بكل ما يوجعها.
أغمضت عينيها،
وتركت الباص يمضي، غير مدركة أن هذه الرحلة ليست سوى أول سطر في يوميات امرأة
اختارت أن تعيش زواجًا معلّقًا، مع رجل يقف دائمًا خطوة أمامها زوجًا أمام الناس
