المسافة بين النص والاجتهاد.. دراسة تحليلية في ضوابط نسبة الأحكام إلى الله عند ابن القيم.
كتب: حسام الحداد
يقول ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة ص 32 "لا يطلق حكم الله تعالى على ما لا يعلم العبد"، وقوله: "فإن سألوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" فيه حجة ظاهرة على أنه لا إطلاق حكم الله على ما لا يعلم العبد أن الله حكم به يقينا من مسائل الاجتهاد كما قال: بعض السلف ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا أو حرم كذا فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه. وهكذا لا يسوغ أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لا يعلم صحته ولا ثقة رواته بل إذا رأى أي حديث كان في أي كتاب يقول لقوله صلى الله عليه وسلم, أو: لنا قوله صلى الله عليه وسلم, وهذا خطر عظيم وشهادة على الرسول بما لا يعلم الشاهد. وكذلك لا يسوغ له أن يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم يخبر به سبحانه عن نفسه ولا أخبر به رسوله عنه كما يستسهله أهل البدع بل لا يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله عنه."
يعد النص
المقتبس من كتاب "أحكام أهل الذمة" لابن القيم الجوزية وثيقة منهجية
بالغة الأهمية في ضبط العلاقة بين "المقدس" المعصوم و"البشري"
القاصر. ففي زمن تتداخل فيه الفتاوى بالسياسة، وتصطبغ فيه القرارات التنظيمية
بصبغة التشريع الإلهي، يأتي تأصيل ابن القيم ليعيد رسم الحدود الفاصلة بين
"إرادة الله" المطلقة وبين "استنباط الفقيه" النسبي، مؤسساً
لمبدأ "التواضع المعرفي" الذي يمنع المجتهد من تنصيب نفسه ناطقاً وحيداً
باسم السماء.
إن هذا الطرح لا
يمثل مجرد ترف فكري أو بحث في فروع الفقه، بل هو إعادة تأسيس لفلسفة المعرفة
الدينية التي تحمي الذات الإلهية من أخطاء البشر، وتحمي المجتمع من استبداد
"الثيوقراطية" المقنعة. ومن خلال هذا المقال، سنبحر في تحليل هذا النص
لنكشف كيف يمكن لأصول الفقه التقليدية أن تكون أداة نقدية قوية لتفكيك الخطابات
الأيديولوجية المعاصرة، وتحديداً تلك التي تدعي امتلاك "حكم الله"
لتبرير التكفير والقتال والولاء والبراء.
التمييز بين
التشريع الإلهي والاستنباط البشري
يؤسس ابن القيم
في الفقرة الأولى تفريقاً جوهرياً بين "حكم الله" كحقيقة مطلقة ثابتة في
علمه الأزلي، وبين "حكم المجتهد" كعملية عقلية تحاول مقاربة تلك
الحقيقة. هذا التفريق يهدف إلى حماية قدسية التشريع من أن تُصبغ بصبغة الأخطاء
البشرية المحتملة، مما يجعل الاجتهاد نشاطاً يدور "حول" النص لا
"داخل" النص نفسه.
يعتمد ابن القيم
على الحديث النبوي في قصة أمير الجيش كدليل سياقي قاطع، حيث منع النبي ﷺ القائد من
إنزال الخصوم على "حكم الله". هذا المنع ليس تقليلاً من شأن القائد، بل
هو حماية للدين؛ فلو أخطأ القائد في حكمه ونسبه لله، لنسبنا الخطأ والظلم للذات
الإلهية، بينما نسبة الخطأ للقائد تظل في إطار القصور البشري الطبيعي.
يحلل النص مفهوم
"عدم العلم باليقين" كحائل دون إطلاق الأحكام المطلقة. فالمسائل
الاجتهادية، بطبيعتها، تفتقر إلى النص القطعي الدلالة والثبوت الذي يجعل الحكم
فيها "حكماً لله" بيقين. ومن هنا، فإن الادعاء بالوصول إلى مراد الله
اليقيني في مسائل الظن هو نوع من التجاوز المعرفي الذي يفتقر إلى البرهان.
يتطرق التحليل
هنا إلى البعد النفسي للمجتهد؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى إضفاء صبغة
"المقدس" على ما يراه حقاً. ابن القيم يكسر هذا الميل الفطري ويطالب
المجتهد بالوقوف عند حدود "الظن الراجح". هذا الكبح النفسي يربي في
الفقيه ملكة التردد المحمود والورع قبل إصدار الفتاوى المصيرية.
من الناحية
الأصولية، يعيد هذا النص تعريف "الشرع"؛ فليس كل ما يقوله الفقهاء هو
"شرع الله" بالمعنى المطلق، بل هو "فقه للشرع". هذا التمييز
الاصطلاحي ضروري جداً لفتح باب المراجعة والنقد؛ فالشرع لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، أما الفقه فهو بناء بشري يعلو ويهبط، ويقبل التعديل والتطوير.
وفي الفقرة
السادسة من هذا المحور، نجد أن هذا التأصيل يقطع الطريق على
"الثيوقراطية" أو الحكم بـ "الحق الإلهي". فإذا كان النبي ﷺ
قد منع أمراءه من ادعاء الحكم باسم الله في مسائل الاجتهاد، فمن باب أولى ألا يدعي
أي سلطة أو جماعة أو فرد أن رأيهم هو عين إرادة الله التي لا تقبل النقاش.
خطر الشهادة على
الله والرسول بغير علم
ينتقل ابن القيم
إلى مربع "الأمانة في النقل"، محذراً من الشهادة الزور على مقام النبوة.
فالقول بأن "الله حرم كذا" دون يقين هو بمثابة توقيع عن رب العالمين
بشهادة قد تكون كاذبة. هذا التحذير يمس جوهر الصدق مع الخالق، ويعتبر أن الجرأة
على الفتوى بغير علم هي إحدى كبائر الذنوب المعنوية.
يربط النص بين
القول بغير علم وبين "الافتراء"، مستشهداً بأقوال السلف التي كانت ترتعد
فرائصهم عند قول "أحل الله" أو "حرم الله". هذا الورع لم يكن
جهلاً، بل كان غاية العلم بمقام الربوبية؛ فالله وحده هو المشرع، وما العبد إلا
ناقل أو مستنبط، والخلط بين المقامين هو جوهر الخلل التشريعي.
وفي سياق الحديث
النبوي، ينتقد ابن القيم ظاهرة "التساهل الحديثي". فمجرد وجود كلام في
كتاب ما لا يبرر نسبته لرسول الله ﷺ بعبارات جازمة مثل "قال رسول الله".
هذا الموقف يمثل منهجاً نقدياً صارماً يطالب بالتحقق من صحة الرواية وثقة الروات
قبل الجزم بالنسبة، صيانةً للجناب النبوي من الكذب.
يتسع التحليل
ليشمل "أهل البدع" الذين يصفهم ابن القيم بالمستسهلين في الإخبار عن
الله وصفاته بما لم يخبر به عن نفسه. الخطر هنا يتجاوز الفروع الفقهية إلى أصول
العقيدة؛ فإقحام العقل في وصف الذات الإلهية بما لا دليل فيه هو نوع من
"التجسير" غير المشروع بين المحدود (العقل البشري) والمطلق (الذات
الإلهية).
يؤكد النص على
مبدأ "التوقيف" في الأسماء والصفات؛ أي الوقوف عند حدود النص. هذا
الالتزام ليس جموداً، بل هو احترام لخصوصية "الغيب". فبما أننا لا ندرك
كنه الذات الإلهية، فإن أي إخبار عنها بغير وحي هو رجم بالغيب، وهو ما يعتبره ابن
القيم من أعظم الأخطار التي تهدد استقامة التوحيد.
الفقرة الأخيرة
هنا تركز على أثر هذا الاستسهال على العامة؛ فعندما يسمع الناس من يتحدث بلسان
"اليقين الإلهي" في كل صغيرة وكبيرة، ثم يكتشفون خطأ هذا القول، فإن
الثقة في الدين نفسه تهتز. لذا، فإن صدق المجتهد في توضيح حدود علمه هو حماية
للدين وللمؤمنين من صدمات الواقع وتغير الاجتهادات.
تفكيك إشكالية
"المصيب والمخطئ" في الاجتهاد
يعالج ابن القيم
في هذا المحور واحدة من أعمق القضايا في أصول الفقه: هل الحق واحد أم متعدد؟
بتأكيده على أن "حكم الله في الحادثة واحد معين"، فإنه ينحاز لمدرسة
"المخطئة" التي ترى أن الحق حقيقة موضوعية مستقلة عن إدراك البشر، وليست
تابعة لأهوائهم أو استنباطاتهم المتغيرة.
يرى ابن القيم
أن قول البعض "كل مجتهد مصيب" قد يُفهم منه تمييع الحقيقة. فلو كان كل
رأي متناقض هو "حكم الله"، لصار الدين متناقضاً. وبدلاً من ذلك، يطرح
رؤية أكثر توازناً: المجتهد "مصيب" في فعله (بذل الجهد)، لكنه قد يكون
"مخطئاً" في نتيجته (الوصول للحكم المطابق لعلم الله).
يحلل النص مفهوم
"إصابة الحكم" كتحدٍ معرفي؛ فالمجتهد يطارد حقيقة واحدة، تارة يدركها
وتارة تغيب عنه. هذا التصور يحفز على الاستمرار في البحث والتمحيص، بينما القول
بأن كل مجتهد مصيب قد يؤدي إلى الكسل المعرفي، إذ يشرعن كل الأقوال ابتداءً دون حاجة
للترجيح.
يستدل ابن القيم
بإجماع الأئمة الأربعة على هذا المبدأ، مما يعطي لرأيه ثقلاً تاريخياً ومذهبياً.
هؤلاء الأئمة، رغم تبحرهم، كانوا يقولون "قولي صواب يحتمل الخطأ"، وهذا
ينسجم تماماً مع فكرة أن حكم الله واحد، وأن محاولاتهم هي مقاربات بشرية لهذا الحكم
الواحد.
هذا الموقف لا
يعني إقصاء الآخر أو تكفيره، بل يعني أن هناك "معياراً" يجب التحاكم
إليه وهو الدليل. فالمنافسة بين المجتهدين تصبح محاولة للتقرب من "نقطة
الحق" الواحدة، مما يخلق بيئة علمية قائمة على الدليل والبرهان لا على مجرد
التشهي أو اعتبار كل فكر صحيحاً بالضرورة.
وفي الختام
التحليلي لهذا المحور، تبرز قيمة "العذر"؛ فالمخطئ في اجتهاده معذور بل
ومأجور، وهذا من رحمة الله. لكن هذا العذر لا يحول الخطأ إلى "حكم
الله". إنها رؤية تجمع بين "المبدأ المطلق" (الحق عند الله واحد)
وبين "الواقع النسبي" (البشر يخطئون ويصيبون في طلب هذا الحق).
إن تحليل اقتباس
ابن القيم يكشف عن رؤية إسلامية أصيلة توازن بين احترام النص وبين تقدير حدود
العقل. إن القول بأن حكم الله غيب لا يحيط به المجتهد يقيناً هو صمام أمان ضد
التطرف الديني وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. إنها دعوة للعودة إلى "فقه
التواضع"، حيث يعرف كل ذي علم قدره، وحيث تظل الكلمة العليا لله وحده، بينما
تظل آراء البشر، مهما علوا، مجرد محاولات بشرية محترمة لكنها قابلة للنقد
والمراجعة. هذه المنهجية هي الضمانة الوحيدة لحيوية الفكر الإسلامي وقدرته على
التعايش مع التعددية والاختلاف.
نص ابن القيم في
مواجهة الأيديولوجيا السلفية المعاصرة
حاكمية النص بين
الحقيقة المطلقة والنسبية البشرية
يُعد مفهوم
"الحاكمية" حجر الزاوية في أدبيات السلفية الحركية والجهادية، حيث يتم
تصوير تطبيق الشريعة كعملية إنزال مباشر لإرادة الله على الأرض. إلا أن نص ابن
القيم في "أحكام أهل الذمة" (ص 32) يقدم رؤية مغايرة تماماً؛ فهو يضع
جداراً عازلاً بين "إرادة الله" وبين "تمثلات البشر" لهذه
الإرادة. هذا الموقف يفكك المركزية التي تعتمد عليها الحركات الإسلامية في إضفاء
القدسية على قراراتها السياسية والتشريعية، محولاً إياها من "أحكام
إلهية" إلى "اختيارات بشرية" تحتمل الخطأ.
إن نقد ابن
القيم يتجه لجوهر الادعاء الحركي؛ فبينما يرفع الحركيون شعار "إن الحكم إلا
لله" (سورة يوسف: 40) كغطاء لبرامجهم، يذكرهم ابن القيم بحديث النبي ﷺ
المذكور في المتن: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا". هذا النص
النبوي، بتأصيل ابن القيم، يسلب أي سلطة دينية القدرة على الجزم بأن موقفها هو عين
"حكم الله"، مما يفتح الباب لنقد هذه السلطات ومساءلتها بشرياً، وهو ما
تخشاه التنظيمات التي تقتات على فكرة "السمع والطاعة" المطلقة للقرار
المستند للشرع.
بالإضافة إلى
ذلك، فإن ابن القيم يحذر من مغبة القول على الله بغير علم، وهو ما يقع فيه كثير من
المنظرين المعاصرين عندما يصفون معاركهم بأنها "قضاء الله" أو أحكامهم
بأنها "شرع الله". التوثيق هنا يشير إلى أن ابن القيم يرى في هذا السلوك
"خطراً عظيماً وشهادة على الرسول بما لا يعلم الشاهد". هذا التأصيل يقلب
الطاولة على الخطاب الجهادي الذي يستبدل "الاجتهاد القلق" بـ
"اليقين المسلح"، محذراً من أن هذا اليقين قد يكون نوعاً من الافتراء
على الله.
وفي الفقرة
الرابعة من هذا المحور، نجد أن هذا النص يعزز ما طرحه ابن القيم في كتابه الآخر
"إعلام الموقعين" حول تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة. فإذا كان حكم
الله في الحادثة "واحداً معيناً" في علمه سبحانه، فإن الطريق إليه بشري
بامتياز. هذا يؤدي نقداً إلى أن أي محاولة لفرض فهم واحد للشرع بالقوة (كما تفعل
التنظيمات الراديكالية) هي في الحقيقة مصادرة على حق الله في التشريع، ومحاولة
بشرية لتعليب المطلق داخل المحدود.
معيارية الإصابة
والخطأ ومأزق التكفير والقتال
تعتمد السلفية
الجهادية في شرعنتها للعنف على "القطع" بوقوع المخالف في الكفر أو الردة
بناءً على فهمها لنصوص الوعيد. لكن ابن القيم هنا يؤكد أن "المجتهد يصيبه تارة
ويخطئه تارة"، وهذا الاعتراف بالخطأ المحتمل في فهم حكم الله يمثل معضلة كبرى
لأيديولوجيا القتال. فكيف يمكن بناء قرارات "إعدام" أو
"تكفير" على "ظن" قد يخطئ صاحبه في معرفة حكم الله الحقيقي؟
إن هذا النص يفرض "احتياطاً" شرعياً يمنع الإقدام على الدماء بمجرد التأويل.
التوثيق المنهجي
لهذا المحور يربط بين نص ابن القيم وبين القاعدة الفقهية الكلية "الحدود تدرأ
بالشبهات". فإذا كان الأمير في عهد النبوة لا يقطع بإصابة حكم الله، فكيف بمن
جاء بعده بقرون؟ إن السلفية الجهادية تمارس "الهروب من الظن إلى القطع"
لتبرير أفعالها، بينما يثبت ابن القيم أن القطع ممتنع في مسائل الاجتهاد. هذا
النقد يضع التنظيمات في مأزق أخلاقي: فإما أنهم يدعون العصمة في فهمهم (وهذا كفر
بمنطقهم)، أو يعترفون باحتمالية الخطأ (وهذا يبطل شرعية القتال المبني على التكفير
الظني).
علاوة على ذلك،
يوضح ابن القيم أن الأئمة الأربعة نصوا صراحة على أن "حكم الله واحد"،
وأن المجتهد قد يحرمه. هذا يعني نقداً أن "التعددية" التي ترفضها
السلفية الحركية هي في الأصل نتاج لعجز البشر عن الإحاطة بحكم الله اليقيني.
فبدلاً من أن يكون الاختلاف سبباً للإقصاء، يجعله ابن القيم سبباً للتواضع.
التنظيمات الحركية تعكس هذه الآية؛ فهي تجعل من فهمها الخاص "حكماً لله"
ومن يخالفه مخالفاً لله، وهو ما سماه ابن القيم في النص "خطر عظيم".
أخيراً، يؤدي
هذا التحليل إلى القول بأن السلفية المعاصرة قد انتقلت من "سلفية
الدليل" إلى "سلفية الرأي التنظيمي". فبينما يطالبهم ابن القيم
بالوقوف عند حدود ما "علم العبد أن الله حكم به يقيناً"، يتوسعون هم في
إطلاق صفة "الحكم الإلهي" على استنباطات سياسية وعسكرية معقدة. إن هذا
النص يمثل دعوة لـ "نزع السلاح عن الفتوى"؛ فالفرد أو الجماعة التي تدرك
أنها قد تخطئ حكم الله، ستكون بالضرورة أكثر تردداً في إصدار أحكام القتل والدمار.
الاحتجاب بالنص
والجرأة على الغيب
ينتقد ابن القيم
في المقتبس "أهل البدع" الذين يستسهلون الإخبار عن الله وصفاته وأفعاله.
وبالإسقاط على السلفية الحركية، نجد أن هذا "الاستسهال" انتقل من باب
الصفات إلى باب "السنن الإلهية" و"تفسير التاريخ". فكثيراً ما
نسمع في الخطاب الحركي جزماً بأن الله أراد كذا بوقوع هذه الهزيمة أو ذاك النصر،
وهو نوع من الإخبار عن فعل الله بغير علم، وهو ما حذر منه ابن القيم بقوله:
"ليتق أحدكم أن يقول... فيقول الله له كذبت".
إن القراءة
النقدية تكشف أن السلفية المعاصرة تمارس "الاحتجاب بالنص"؛ أي أنها تضع
آراءها خلف جدار من الآيات والأحاديث لتبدو وكأنها كلام الله. ابن القيم يفكك هذا
الاحتجاب عبر مطالبة المتحدث بأن ينسب القول لنفسه لا لله. هذا الصدق المعرفي
يفتقر إليه الخطاب الجهادي الذي يحتاج لنسبة كل فعل لله من أجل التحشيد المعنوي.
التوثيق هنا يمتد ليشمل تحذير السلف من قوله "أحل الله كذا"، وهو ما غاب
عن وعي الحركية المعاصرة التي تتحدث بلسان الربوبية في كل شأن عام.
كذلك، يمس نص
ابن القيم مسألة "الشهادة على الرسول". فالسلفية الحركية غالباً ما
تستحضر "المنهج النبوي" لتطبيقه على حركتها المعاصرة، وتجزم بأن
"هذا هو ما كان سيفعله النبي ﷺ". يصف ابن القيم هذا المسلك بأنه
"شهادة على الرسول بما لا يعلم الشاهد". هذا النقد المنهجي يضرب شرعية
"الإسقاط التاريخي" الذي تمارسه هذه الجماعات، معتبراً إياه نوعاً من
الجرأة غير المحمودة على مقام النبوة لخدمة أغراض سياسية أو حركية.
في الختام، يظهر
ابن القيم في هذا النص كخصم لدود لـ "الراديكالية المعرفية". فبينما
تسعى التيارات السلفية الجهادية لغلق باب النقاش عبر دعوى "تحكيم شرع
الله"، يفتح ابن القيم الباب على مصراعيه للاعتراض عبر إثبات "بشرية
الفهم". إن القيمة النقدية لهذا النص تكمن في كونه "بيان حرية"
للعقل المسلم ضد استبداد المجتهدين الذين يلبسون أفكارهم ثوب الألوهية، مذكراً
إياهم أنهم مجرد "موقّعين" قد يخطئون التوقيع فيرد الله عليهم شهادتهم.
أثر النسبية
الاجتهادية على مفهوم "الولاء والبراء"
يُعد
"الولاء والبراء" العقيدة المحركة للتيارات السلفية، حيث يُبنى الولاء
المطلق أو العداء التام بناءً على مواقف الأفراد من "حكم الله". إلا أن
نص ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" يزعزع هذا البناء العنقودي؛ فإذا كان
المجتهد لا يملك الجزم بإصابة حكم الله اليقيني، فإن معيار الولاء والبراء المبني
على "اجتهاد ظني" يصبح معياراً هشاً وقابلاً للمراجعة. هذا النقد يفكك
حدة الاستقطاب التي تمارسها الحركات السلفية تجاه المخالفين لها في المسائل
الاجتهادية.
التوثيق هنا
يشير إلى أن السلفية الحركية جعلت من "فهمها للسياسة الشرعية" معياراً
للإيمان والكفر، فمن لم يوالِ منهجها فقد "عادى شرع الله". لكن ابن
القيم يؤصل لأن الخطأ في إصابة حكم الله هو احتمال دائم وملازم للمجتهد. هذا يعني
نقداً أن من نواليهم قد يكونون مخطئين في نفس الأمر عند الله، ومن نعاديهم قد
يكونون هم المصيبين لحكمه. هذا الاحتمال يكسر "صنمية التنظيم" ويحول
الولاء والبراء من ولاء للأشخاص والجماعات إلى ولاء للحق الغائب الذي ينشده الجميع
ولا يملكه أحد.
علاوة على ذلك،
يظهر النقد في مسألة "تفسير الولاء". فالحركات الجهادية تبرر استهداف
الخصوم بناءً على ما تسميه "مظاهرة المشركين"، وهو حكم يستند إلى فهم
خاص للنص. نص ابن القيم يطالبنا بالتوقف: هل هذا الفهم هو "حكم الله"
يقيناً أم هو "رؤية بشرية"؟ وبما أن الإجابة هي الثانية (لعدم وجود وحي
معاصر)، فإن بناء عقيدة قتالية أو إقصائية على "ظن" لا يرتقي لليقين هو
مجازفة دينية كبرى وصفها ابن القيم بأنها "خطر عظيم".
وفي الختام،
يبرز النص كأداة لترسيخ "الأخوة الدينية" فوق "الأيديولوجيا
الحركية". فإذا كان الأئمة الأربعة قد أقروا بأن حكم الله واحد وأن المجتهد
يخطئه، فإن هذا يقتضي أن يظل باب الولاء مفتوحاً بين المتخالفين، طالما أن الجميع
في دائرة "طلب الحق". إن السلفية المعاصرة، عبر تجاهلها لهذا النص، قامت
بـ "تأميم" حكم الله لصالح فئة واحدة، بينما يدعو ابن القيم إلى
"مشاعية البحث عن الحق"، حيث يظل الجميع تحت سقف "العجز
البشري" أمام "العظمة الإلهية".
الخاتمة
في الختام،
يتبين أن نص ابن القيم يمثل "بيان حرية" للعقل المسلم في مواجهة أي سلطة
تحاول إضفاء القدسية على رؤيتها البشرية. إن استعادة هذا المنهج الأصولي ليست مجرد
عودة للماضي، بل هي ضرورة ملحة لتحرير الدين من حالة "التأميم" التي
مارستها الحركات الراديكالية؛ فإثبات أن حكم الله غيب لا يحيط به العبد يقيناً في
مسائل الاجتهاد هو الكفيل بكسر حدة الاستعلاء الإيماني وإحلال لغة الحوار والدليل
محل لغة الإقصاء والتكفير.
إن القيمة
الحقيقية لهذا البحث تكمن في إثبات أن الرموز الكبرى للفكر السلفي، كابن القيم،
قدموا أدوات معرفية كفيلة بنقض المسارات المنحرفة التي سلكتها السلفية الحركية
والجهادية لاحقاً. وبهذا، يظل باب الاجتهاد مفتوحاً على أساس من الورع العلمي
والصدق مع الله، حيث يعرف كل ذي علم قدره، وتظل الكلمة العليا لله وحده، بينما تظل
آراء البشر محاولات محترمة للاستبصار، قابلة للنقد، والمراجعة، والتخطئة.
