نزوة حلال.. "قصة" لفاطمة عبدالجواد
كتب: فاطمة عبدالجواد
ظلا يصرخان
معًا، لا لأن الصوت أعلى، بل لأن الخذلان أعمق من أن يُقال همسًا.
قالها وهو واقف
كمن يقرأ حكمًا جاهزًا، لا كمن يعتذر:
«سأتزوّج».
تجمّد الزمن عند
هذه الكلمة.
بعد كل هذا
العمر؟ بعد سنواتٍ كانت تُحصيها بالصبر لا بالأيام؟
نظرت إليه
وكأنها تراه للمرة الأولى، رجلًا يشبهه ولا يشبهه في آنٍ واحد.
قالت بصوتٍ
متكسّر:
«تتركني للتزوّج بأخرى؟ أهذا هو الشرع الذي تريد
تطبيقه؟»
تقدّمت خطوة،
وكأنها تحاول الإمساك بالمعنى قبل أن يسقط.
«هذا ليس عدلًا… الشرع أوسع من نزوة، وأعمق من
شهوة. هناك كثير من أحكامه لو أردتَ فعلًا التقرب إلى الله».
لم يُجب.
كان صمته أفصح
من أي رد، صمت من وجد مخرجًا قانونيًا لخيبةٍ أخلاقية.
سال الدمع من
عينيها بلا استئذان، ثم خانها جسدها وسقطت مغشيًا عليها.
ارتبك، ناداها،
رشّ الماء على وجهها، بلا جدوى.
اتصل بالإسعاف
بصوتٍ مرتجف، لا خوفًا عليها وحدها، بل خوفًا من الفضيحة.
قال الطبيب بعد
فحصٍ سريع:
«صدمة عصبية حادة».
فاقت بعد ساعات.
فتحت عينيها
ببطء، وتمنّت لو لم تفعل.
كان الألم في
صدرها أوسع من أن يُقاس، وجع لا يُرى في الأشعة ولا تُسكّنه الأدوية.
مرّت الأعوام
بطيئة، عشرة أعوام كاملة.
لم تُقصّر يومًا.
كانت زوجة
“صالحة” كما يريد المجتمع: صامتة، صابرة، تُجيد التنازل أكثر من الكلام.
كانت أمّه
تراقبها بعين الرضا المشروط، وتُردّد دائمًا:
«ارضيه، فهو من أبواب الجنة».
قالها شيخٌ في
درسٍ عابر، فصارت وصية مقدّسة لا تُناقش.
كانت تطبخ،
تنظف، تصبر، وتكتم الأسئلة في صدرها حتى كادت تختنق.
لم تكن ميتة،
لكنها لم تكن حيّة أيضًا.
هامدة… كشمعة
تُنير للآخرين بينما تذوب في صمت.
وفي لحظةٍ
واحدة، رمى كل ذلك في صندوق القمامة.
سنواتها، تعبها،
صبرها.
لم يرَ سوى
“سُنّة” ليست سُنّة، بل نزوة حلال، مُغلّفة بفتوى جاهزة.
عندما عادا إلى
البيت في ذلك اليوم، لم تُجادل.
لم تصرخ.
جلست وحدها،
ورفعت يديها إلى السماء.
لم تدعُ عليه
صراحة، لكنها دعت لنفسها كثيرًا… للعدل، للرحمة، للسكينة.
أكثرت الدعاء
أيامًا وليالي، حتى صار الدعاء لغتها الوحيدة.
ثم حدث ما لم
يتوقّعه أحد.
أصابه مرض غريب.
فقد النطق فجأة،
بلا سبب واضح.
تحدّث الأطباء
عن توتّر، عن أسباب عصبية، عن احتمالات بلا يقين.
كان ينظر إليها
بعينين ممتلئتين بالعجز، يريد الكلام ولا يستطيع.
وهي تنظر إليه
بصمت، لا شماتة في قلبها، فقط دهشة موجعة.
ربما تدخّل
الإله عطفًا عليها.
وربما كان درسًا
صامتًا.
وربما علم الله
أن التشريع حين يُنزَع من روحه، ويُستخدم قهرًا، لا يتّفق مع نفسٍ سويّة… ولا مع
عدلٍ إلهي.
أما هي، فتعلمت
أخيرًا أن الصبر ليس فضيلة حين يتحوّل إلى مقصلة.
